المقالات والسياسه والادب

‏لا أظنُّ أنَّنا ننكسرُ كما نظنُّ…

الكاتبة إيمان نجار

‏لا أظنُّ أنَّنا ننكسرُ كما نظنُّ…

‏ربَّما لا تتحطَّمُ أرواحُنا كما نعتقد،

‏ربَّما يعلَقُ في مفاصلِها غبارُ الأيامِ فقط، فنمشي بثقلٍ ونظنُّ أنَّنا فقدنا القدرةَ على السير، بينما كلُّ ما تحتاجُه أرواحُنا لحظةُ صفاءٍ تُعيدُ إليها معرفةَ الطريق.

‏فنحنُ لا نفقدُ الطريقَ دائمًا… أحيانًا يتغيَّرُ شيءٌ في داخلِنا، فنعودُ إلى الطرقاتِ نفسها بقلوبٍ لا تشبهُ تلكَ التي غادرتها.

‏ثمَّةَ بشرٌ يقضونَ أعمارَهم وهم يُحاولونَ إصلاحَ أنفسِهم، كأنَّهم بيوتٌ على وشكِ السقوط… ولا ينتبهونَ أنَّ الشقوقَ لم تكن في الجدران، بل في الغرفِ التي امتلأتْ بأشياءَ لم تعدْ تُشبهُهم.

‏والتعبُ ليس حجرًا يُلقى على الكتفين…

‏إنَّهُ فنَّانٌ صامتٌ، يمرُّ بنا طويلًا، لا ليُشوِّهَ ملامحَنا، بل ليُعيدَ رسمَها بطريقةٍ لم نعتدْ عليها.

‏يجعلُنا نرى الأشياءَ التي كنَّا نمرُّ بها دونَ انتباه، ويكشفُ لنا كم من النورِ كان قريبًا منَّا، لكنَّ أعينَنا كانت مشغولةً بالبحثِ عن الضوءِ البعيد.

‏أمَّا الخيباتُ…

‏فلا أراها سكاكينَ كما يصفُها الجميع، بل أراها أيديَ خفيَّةً تُعيدُ ترتيبَ البوصلةِ في صدورِنا.

‏تأخذُ منَّا بعضَ الجهاتِ القديمة، لا لأنَّها تريدُ ضياعَنا، بل لأنَّ بعضَ الطرقِ لا تُكتشفُ إلَّا حينَ نتوقَّفُ عن العودةِ إلى المكانِ نفسه.

‏والأملُ…

‏ليس نافذةً تُفتحُ، ولا شمعةً تُضاءُ في العتمة.

‏الأملُ هو ذلكَ النَّاسخُ الخفيُّ للروح؛

‏كلَّما ظننَّا أنَّ الحياةَ مزَّقتِ النسخةَ الأخيرةَ منَّا، أخرجَ لنا نسخةً أخرى من مكانٍ لا نعرفُه… نسخةً تشبهُنا أكثر، وتخافُ أقل.

‏لذلك…

‏لا تُرهقْ نفسَكَ بمحاولةِ العودةِ إلى الشخصِ الذي كنتَه.

‏فالزمنُ لا يعيدُ أحدًا إلى الوراءِ، لكنَّهُ يمنحُ بعضَ القلوبِ قدرةً نادرة؛ أن تبدأَ من المكانِ نفسه الذي سقطتْ فيه، لا كأنَّها لم تتألَّم، بل كأنَّ ألمَها علَّمها كيف تقف.

‏فليس كلُّ ما يُؤلمُكَ جاء ليُكسِرَكَ…

‏بعضُ الأوجاعِ لم تأتِ لتأخذَ منك شيئًا، بل جاءتْ لتُوسِّعَ في داخلكَ مكانًا جديدًا؛ مكانًا تولدُ فيه نسخةٌ منك، لم يكن لها أن تظهرَ لو بقي كلُّ شيءٍ كما كان.

‏وربَّما…

‏نحنُ لا ننكسرُ دائمًا.

‏ربَّما نحنُ فقط نُعادُ صياغتُنا بطريقةٍ مؤلمة، كي نخرجَ من أيدينا القديمة… ونلتقي بأنفسِنا التي كانت تنتظرُ الولادة.

مقالات ذات صلة