ربَّما يعلَقُ في مفاصلِها غبارُ الأيامِ فقط، فنمشي بثقلٍ ونظنُّ أنَّنا فقدنا القدرةَ على السير، بينما كلُّ ما تحتاجُه أرواحُنا لحظةُ صفاءٍ تُعيدُ إليها معرفةَ الطريق.
فنحنُ لا نفقدُ الطريقَ دائمًا… أحيانًا يتغيَّرُ شيءٌ في داخلِنا، فنعودُ إلى الطرقاتِ نفسها بقلوبٍ لا تشبهُ تلكَ التي غادرتها.
ثمَّةَ بشرٌ يقضونَ أعمارَهم وهم يُحاولونَ إصلاحَ أنفسِهم، كأنَّهم بيوتٌ على وشكِ السقوط… ولا ينتبهونَ أنَّ الشقوقَ لم تكن في الجدران، بل في الغرفِ التي امتلأتْ بأشياءَ لم تعدْ تُشبهُهم.
والتعبُ ليس حجرًا يُلقى على الكتفين…
إنَّهُ فنَّانٌ صامتٌ، يمرُّ بنا طويلًا، لا ليُشوِّهَ ملامحَنا، بل ليُعيدَ رسمَها بطريقةٍ لم نعتدْ عليها.
يجعلُنا نرى الأشياءَ التي كنَّا نمرُّ بها دونَ انتباه، ويكشفُ لنا كم من النورِ كان قريبًا منَّا، لكنَّ أعينَنا كانت مشغولةً بالبحثِ عن الضوءِ البعيد.
أمَّا الخيباتُ…
فلا أراها سكاكينَ كما يصفُها الجميع، بل أراها أيديَ خفيَّةً تُعيدُ ترتيبَ البوصلةِ في صدورِنا.
تأخذُ منَّا بعضَ الجهاتِ القديمة، لا لأنَّها تريدُ ضياعَنا، بل لأنَّ بعضَ الطرقِ لا تُكتشفُ إلَّا حينَ نتوقَّفُ عن العودةِ إلى المكانِ نفسه.
والأملُ…
ليس نافذةً تُفتحُ، ولا شمعةً تُضاءُ في العتمة.
الأملُ هو ذلكَ النَّاسخُ الخفيُّ للروح؛
كلَّما ظننَّا أنَّ الحياةَ مزَّقتِ النسخةَ الأخيرةَ منَّا، أخرجَ لنا نسخةً أخرى من مكانٍ لا نعرفُه… نسخةً تشبهُنا أكثر، وتخافُ أقل.
لذلك…
لا تُرهقْ نفسَكَ بمحاولةِ العودةِ إلى الشخصِ الذي كنتَه.
فالزمنُ لا يعيدُ أحدًا إلى الوراءِ، لكنَّهُ يمنحُ بعضَ القلوبِ قدرةً نادرة؛ أن تبدأَ من المكانِ نفسه الذي سقطتْ فيه، لا كأنَّها لم تتألَّم، بل كأنَّ ألمَها علَّمها كيف تقف.
فليس كلُّ ما يُؤلمُكَ جاء ليُكسِرَكَ…
بعضُ الأوجاعِ لم تأتِ لتأخذَ منك شيئًا، بل جاءتْ لتُوسِّعَ في داخلكَ مكانًا جديدًا؛ مكانًا تولدُ فيه نسخةٌ منك، لم يكن لها أن تظهرَ لو بقي كلُّ شيءٍ كما كان.
وربَّما…
نحنُ لا ننكسرُ دائمًا.
ربَّما نحنُ فقط نُعادُ صياغتُنا بطريقةٍ مؤلمة، كي نخرجَ من أيدينا القديمة… ونلتقي بأنفسِنا التي كانت تنتظرُ الولادة.