المقالات والسياسه والادب

لسنا فقراء نحن بلا أخلاق كتب: محمود جاب الله

لسنا فقراء نحن بلا أخلاق

ليس الفقر أن يقل المال في الجيب. الفقر الحقيقي أن يقل الخلق في السلوك. وبهذا المعنى فإن أزمة مصر اليوم ليست أزمة موارد، بقدر ما هي أزمة قيم.
نعم نمر بضغوط اقتصادية، ونعم نحتاج إلى استثمارات ومشروعات وعمل. لكن تعالوا نسأل بصدق: كم مشروعاً توقف لأن يداً امتدت لتأخذ ما لا تستحق؟ وكم مدرسة تدهور مستواها لا لنقص الكتاب، ولكن لأن رسالة التعليم تحولت إلى تجارة؟ وكم مستشفى اشتكى من سوء الخدمة لا لنقص الأجهزة، ولكن لغياب الرحمة عند من أقسم على حماية المرضى؟ المال موجود، والجهد موجود، لكن الضمير غائب.
الأمم لا تسقط لأنها فقيرة. دول كثيرة بدأت من الصفر ونهضت لأنها تمسكت بالصدق والإتقان واحترام القانون. وأمم أخرى كانت تملك الذهب والنفط فسقطت لأنها باعت أخلاقها. اليابان خرجت من رماد الحرب فبنت نفسها بانضباط عاملها وأمانة موظفها. وسنغافورة لم يكن لديها ماء فصنعت مستقبلها بنزاهة إدارتها. الدرس واضح: الاقتصاد يمكن تعويضه، أما الأخلاق إذا انهارت فترميمها يحتاج أجيالاً.
ومصر ليست بلا رصيد. فينا الشهامة والجدعنة وإكرام الضيف ونجدة الملهوف. هذه ليست شعارات، هذا تاريخنا. لكن هذا الرصيد تعرض للتآكل. صار البعض يرى أن “الشاطر” هو من يلتف على القانون، وأن “الفالح” هو من ينجح بالغش، وأن “الواسطة” حق مكتسب لا عيب. وحين تصبح هذه هي القاعدة، فإن أي ميزانية ضخمة لن تكفي، وأي خطة تنمية ستتعثر.
الحل لا يبدأ في البنك المركزي. يبدأ في البيت حين يعلم الأب ابنه أن الحرام حرام حتى لو لم يره أحد. ويبدأ في المدرسة التي تغرس أن الغش خيانة قبل أن يكون مخالفة. ويبدأ في الإعلام الذي يصنع من الملتزم قدوة، لا من صاحب الحيلة بطلاً. ويبدأ في مؤسسات الدولة التي تطبق القانون على الجميع بلا استثناء، وتكافئ المخلص وتردع المستهتر.
نحن لا ننكر أهمية الإصلاح الاقتصادي. نحتاجه، ونعمل من أجله. لكن أي اقتصاد بلا أخلاق هو مثل جسد ضخم بلا روح. سيتحرك قليلاً ثم يسقط. العامل الذي يتقن يوفر مليارات. والموظف الأمين يختصر سنوات من البيروقراطية. والطالب الذي يحترم العلم يصنع غداً لا يمكن شراؤه بالمال.
الخلاصة بسيطة ومباشرة. لسنا فقراء بالمعنى المطلق. أرضنا معطاءة، وعقولنا قادرة، وسواعدنا تستطيع. فقرنا الحقي في أننا سمحنا للسلوك السيئ أن يصبح عادياً، وللكذب أن يصبح وجهة نظر، وللفوضى أن تصبح حرية.

إذا أردنا لمصر أن تنهض حقاً، فلنبدأ من الداخل. لنرمم الضمير قبل أن نرمم الجدران. فالوطن الذي يحترم أخلاقه، سيحترمه العالم، وسيفيض خيره على أبنائه.

مقالات ذات صلة