هي لم تكن تهيّأت لهذا اللقاء… كانت تمرّ بين الزحام، تحمل عمرها المكسور كأنّه حقيبة لا أحد يشعر بثقلها. وحين رأته… توقّف الوقت قليلاً، لا احترامًا للذكرى، بل دهشةً من قسوتها. قالت بعينين ممتلئتين بصمت السنين: "مرحبًا... أهذا أنت؟ أم وهمٌ آخر قرّر أن يُشبهك؟" ابتسم، تلك الإبتسامة التي كانت تسرق منها كل يقين. "أنا كما تركتِني… لكنك تغيّرتِ." قالت: "كيف لا أتغيّر؟ أكنتَ تظنّني سأظلُّ أنتظر؟ أبني لك في قلبي بيتًا من غفران… وأنت تبني لغيري بيتًا من وعود؟" ردّ بصوت خافت: "ما كنتُ أعلم أن الحبّ وحده لا يكفي…" قالت: "بل كنتَ تعلم، لكنّك اخترتَ أن لا يكفي." "أنا التي أحببتك صمتًا، ودافعتُ عنك حتى أمامي. أنا التي بكيتك، وكنتَ حيًّا. أبكيتني وأنت على قيد حضورك… فماذا تركتَ لي بعد غيابك؟" سكت… هو يعلم أنّها لم تأتِ لتعاتب، بل لتُشفى. قالت وهي تنظر إلى يده الممسكة بيدٍ ليست يدها: "كلُّ ما بيننا صار من الماضي… لكنّي ما زلت أحنّ… ليس إليك، بل إلى تلك التي كنتُها وأنا أحبّك." كنتُ أظنُّ أن رحيلك نهاية كل شيء، لكنّي الآن أرى كيف يبقى الألم حيًا، كيف تحيا الذكرى وسط صمت القلب، كيف أحنّ إليك رغم الخيانة، رغم الغياب، وكيف يزداد صدرك بُعدًا عني رغم محاولاتي. هو: لم أتركك لأنني لا أحبُّ، بل لأن قلبي صار مشتتًا بين ضلوعي، بين وعد قطعتُه وبين حقيقة فاجأتني، بين حرقة الفقد وخوف المسير، فوجدت في الرحيل مهربًا من صراع لم أدرك نهايته. هي: كنتَ لي الأمان، وأنتَ الآن لغيري دنيا، كيف تترك قلبًا أحبك حتى الجنون، وترميه في دروب الوحدة والصمت، وكأنك لم تعرف أني كنتُ أغلى من كل الوعود. هو: لم أجد في حبك ملاذًا لي، بل وجدتُ جدرانًا تعانقني بالظلمة، وصوتًا صامتًا في ليالي الوحدة، وغرباء لا يفهمون ما بيننا، فهربتُ لأبحث عن نفسي الضائعة، وعن ضوءٍ لا ينطفئ. هي: هربتَ وأخذتَ معي أحلامًا لم تكتمل، وتركتني أتوه في بحر الندم، لكنّي اليوم أقف، لستُ ضعيفة كما كنتُ، وأنتَ ستعرف في غيابك كيف يكون الفقد قاتلًا. هو: لا أريد أن أخسرك، لكنني أخاف أن أخسر نفسي، ما بيننا قتالٌ على أرض مجهولة، وأنا ما زلت أسير بين الذكرى والواقع، أبحث عن جسرٍ يربط ما تكسّر. هي: أحببتُك حتى ذاب قلبي في حروف اسمك، ثقَبتُ السماء كي ألتقط نجمةً أهديها لك، ومن بين الظلال، كنتَ لي نورًا بلا حدود، لكن وجع الخيانة جاء ينهش ما بنيته من أمان. هو: أحببتُكِ... لكن الحياة أخذتني في دروبٍ لم أخترها، زوجت غيركِ، لكن في صدري لا يزال اسمك يحيا، لم أنسَ لحظةً جمعتنا، ولا نظرة عيونكِ، تلك الصدفُ التي جمعتنا، كأنها حكمة من السماء. - هي: كيف تخون من حبَّت بصدق؟ وكيف تترك من سكنت قلبك؟ كيف تبني حياةً جديدة وأحلامي ما زالت معلقةً بين السماء والأرض؟ كيف تصمت عن جرحٍ ينزف، وترتدي ثوب النسيان؟ هو: لم يكن سهلاً أن أختار بين حبي لكِ والواجب والضغوط، تخيلتُ أنني أفعل الصواب، لكنني فقط كنت أضيع في دوامة الحيرة، لا تظني أنني نسيتك، فذاكرتي لا تقبل النسيان، لكن قدري قد حدد طرقًا لا أملك السيطرة عليها. هي: التقينا بالصدفة، ولكن كل لقاء كان كجرحٍ جديد، كلماتنا كانت كأغصانٍ تخترق أجنحة الفرح، أنت في عالم، وأنا في عالمٍ آخر، لكن في عينيك، ما زلتُ أرى ما بقي من حبّنا الضائع