المقالات والسياسه والادب

لقاء دون موعد

إيمان نجار

‏هي لم تكن تهيّأت لهذا اللقاء…  

‏كانت تمرّ بين الزحام، تحمل عمرها المكسور كأنّه حقيبة لا أحد يشعر بثقلها.  

‏وحين رأته… توقّف الوقت قليلاً، لا احترامًا للذكرى، بل دهشةً من قسوتها.

‏قالت بعينين ممتلئتين بصمت السنين:  

‏”مرحبًا…  

‏أهذا أنت؟ أم وهمٌ آخر قرّر أن يُشبهك؟”  

‏ابتسم، تلك الإبتسامة التي كانت تسرق منها كل يقين.  

‏”أنا كما تركتِني… لكنك تغيّرتِ.”

‏قالت:  

‏”كيف لا أتغيّر؟  

‏أكنتَ تظنّني سأظلُّ أنتظر؟  

‏أبني لك في قلبي بيتًا من غفران…  

‏وأنت تبني لغيري بيتًا من وعود؟”

‏ردّ بصوت خافت:  

‏”ما كنتُ أعلم أن الحبّ وحده لا يكفي…”

‏قالت:  

‏”بل كنتَ تعلم، لكنّك اخترتَ أن لا يكفي.”  

‏”أنا التي أحببتك صمتًا، ودافعتُ عنك حتى أمامي.  

‏أنا التي بكيتك، وكنتَ حيًّا.  

‏أبكيتني وأنت على قيد حضورك…  

‏فماذا تركتَ لي بعد غيابك؟”

‏سكت…  

‏هو يعلم أنّها لم تأتِ لتعاتب، بل لتُشفى.

‏قالت وهي تنظر إلى يده الممسكة بيدٍ ليست يدها:  

‏”كلُّ ما بيننا صار من الماضي…  

‏لكنّي ما زلت أحنّ…  

‏ليس إليك، بل إلى تلك التي كنتُها وأنا أحبّك.”  

‏كنتُ أظنُّ أن رحيلك نهاية كل شيء،  

‏لكنّي الآن أرى كيف يبقى الألم حيًا،  

‏كيف تحيا الذكرى وسط صمت القلب،  

‏كيف أحنّ إليك رغم الخيانة، رغم الغياب،  

‏وكيف يزداد صدرك بُعدًا عني رغم محاولاتي.

‏هو:  

‏لم أتركك لأنني لا أحبُّ،  

‏بل لأن قلبي صار مشتتًا بين ضلوعي،  

‏بين وعد قطعتُه وبين حقيقة فاجأتني،  

‏بين حرقة الفقد وخوف المسير،  

‏فوجدت في الرحيل مهربًا من صراع لم أدرك نهايته.

‏هي:  

‏كنتَ لي الأمان،  

‏وأنتَ الآن لغيري دنيا،  

‏كيف تترك قلبًا أحبك حتى الجنون،  

‏وترميه في دروب الوحدة والصمت،  

‏وكأنك لم تعرف أني كنتُ أغلى من كل الوعود.

‏هو:  

‏لم أجد في حبك ملاذًا لي،  

‏بل وجدتُ جدرانًا تعانقني بالظلمة،  

‏وصوتًا صامتًا في ليالي الوحدة،  

‏وغرباء لا يفهمون ما بيننا،  

‏فهربتُ لأبحث عن نفسي الضائعة،  

‏وعن ضوءٍ لا ينطفئ.

‏هي:  

‏هربتَ وأخذتَ معي أحلامًا لم تكتمل،  

‏وتركتني أتوه في بحر الندم،  

‏لكنّي اليوم أقف،  

‏لستُ ضعيفة كما كنتُ،  

‏وأنتَ ستعرف في غيابك كيف يكون الفقد قاتلًا.

‏هو:  

‏لا أريد أن أخسرك،  

‏لكنني أخاف أن أخسر نفسي،  

‏ما بيننا قتالٌ على أرض مجهولة،  

‏وأنا ما زلت أسير بين الذكرى والواقع،  

‏أبحث عن جسرٍ يربط ما تكسّر.

‏هي: 

‏أحببتُك حتى ذاب قلبي في حروف اسمك،  

‏ثقَبتُ السماء كي ألتقط نجمةً أهديها لك،  

‏ومن بين الظلال، كنتَ لي نورًا بلا حدود،  

‏لكن وجع الخيانة جاء ينهش ما بنيته من أمان.

‏هو:

‏ أحببتُكِ… لكن الحياة أخذتني في دروبٍ لم أخترها،  

‏زوجت غيركِ، لكن في صدري لا يزال اسمك يحيا،  

‏لم أنسَ لحظةً جمعتنا، ولا نظرة عيونكِ،  

‏تلك الصدفُ التي جمعتنا، كأنها حكمة من السماء.

‏-  

‏هي:

‏كيف تخون من حبَّت بصدق؟ وكيف تترك من سكنت قلبك؟  

‏كيف تبني حياةً جديدة وأحلامي ما زالت معلقةً بين السماء والأرض؟  

‏كيف تصمت عن جرحٍ ينزف، وترتدي ثوب النسيان؟

‏هو: 

‏لم يكن سهلاً أن أختار بين حبي لكِ والواجب والضغوط،  

‏تخيلتُ أنني أفعل الصواب، لكنني فقط كنت أضيع في دوامة الحيرة،  

‏لا تظني أنني نسيتك، فذاكرتي لا تقبل النسيان،  

‏لكن قدري قد حدد طرقًا لا أملك السيطرة عليها.

‏هي:

‏التقينا بالصدفة، ولكن كل لقاء كان كجرحٍ جديد،  

‏كلماتنا كانت كأغصانٍ

تخترق أجنحة الفرح،  

‏أنت في عالم، وأنا في عالمٍ آخر،  

‏لكن في عينيك، ما زلتُ أرى ما بقي من حبّنا الضائع

مقالات ذات صلة