المقالات والسياسه والادب

لَيْلَةُ مَوْتِي

الكاتبة إيمان نجار

لَيْلَةُ مَوْتِي
‏كَانَتِ السَّمَاءُ تُشْبِهُ سَقْفًا مُنْخَفِضًا فَوْقَ مَدِينَةٍ تَخْشَى أَنْ تَرْفَعَ رَأْسَهَا.
‏لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ قَمَرٌ.
‏وَلَا نُجُومٌ كَافِيَةٌ لِكَيْ يَشْعُرَ اللَّيْلُ بِأَنَّهُ لَيْلٌ.
‏فَقَطْ ذَلِكَ السَّوَادُ الطَّوِيلُ،
‏مَمْدُودًا فَوْقَ النَّافِذَةِ،
‏كَسِتَارٍ أُسْدِلَ مُبَكِّرًا عَلَى مَسْرَحٍ لَمْ يَعُدْ فِيهِ مَنْ سَيُصَفِّقُ.
‏كُنْتُ وَحْدِي.
‏وَلَمْ أَشْعُرْ بِأَنَّ فِي وَحْدَتِي شَيْئًا غَرِيبًا.
‏صَبَبْتُ المَاءَ فِي كَأْسِي،
‏وَتَرَكْتُ فِيهِ رَشْفَةً أَخِيرَةً دُونَ أَنْ أَقْصِدَ.
‏مَشَيْتُ فِي الغُرْفَةِ حَافِيَةً،
‏فَصَاحَ الخَشَبُ تَحْتَ قَدَمَيَّ بِصَوْتٍ خَافِتٍ.
‏تَوَقَّفْتُ.
‏لِثَانِيَةٍ وَاحِدَةٍ،
‏شَعَرْتُ أَنَّ الأَرْضَ تَعْرِفُ شَيْئًا لا أَعْرِفُهُ.
‏ثُمَّ ضَحِكْتُ.
‏نَحْنُ نَضْحَكُ أَحْيَانًا عِنْدَمَا لا نَفْهَمُ مَا يَحْدُثُ،
‏لِأَنَّ العَقْلَ يُفَضِّلُ أَنْ يَكُونَ سَاذَجًا عَلَى أَنْ يَكُونَ آخِرَ مَنْ يَعْرِفُ.
‏جَلَسْتُ أَمَامَ المِرْآةِ.
‏كَانَ وَجْهِي هُنَاكَ.
‏وَلَكِنْ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ،
‏لَمْ أَشْعُرْ أَنَّهُ لِي.
‏تَأَمَّلْتُ عَيْنَيَّ طَوِيلًا،
‏وَقُلْتُ فِي سِرِّي:
‏غَدًا سَأَكُونُ أَفْضَلَ.
‏ثُمَّ مَسَحْتُ عَنِ المِرْآةِ بُقْعَةً صَغِيرَةً،
‏وَأَطْفَأْتُ النُّورَ.
‏لَمْ أَعْرِفْ أَنَّ تِلْكَ الجُمْلَةَ الصَّغِيرَةَ سَتَبْقَى وَحْدَهَا مِنِّي.
‏فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ،
‏تَرَكْتُ هَاتِفِي مَفْتُوحًا.
‏كَانَتْ هُنَاكَ رِسَالَةٌ لَمْ أَقْرَأْهَا.
‏وَاتِّصَالٌ لَمْ أُجِبْ عَلَيْهِ.
‏وَصُورَةٌ قَدِيمَةٌ تَحْتَفِظُ بِوَجْهِي كَمَا لَمْ يَعُدْ أَحَدٌ يَحْفَظُهُ.
‏كَانَ كُلُّ شَيْءٍ مُعَلَّقًا.
‏إِلَّا أَنَا.
‏أَنَا كُنْتُ أَمْشِي نَحْوَ نِهَايَتِي بِهُدُوءِ شَخْصٍ يَظُنُّ أَنَّهُ ذَاهِبٌ لِيَنَامَ فَقَط.
‏وَقَبْلَ أَنْ أُغْمِضَ عَيْنَيَّ،
‏نَظَرْتُ إِلَى السَّاعَةِ.
‏كَانَتْ تُشِيرُ إِلَى وَقْتٍ عَادِيٍّ جِدًّا.
‏أَرْبَعَةٌ وَسَبْعُونَ دَقِيقَةً مِنْ لَيْلٍ لا يَذْكُرُهَا أَحَدٌ.
‏وَلِذَلِكَ رُبَّمَا كَانَ المَوْتُ قَاسِيًا.
‏لَيْسَ لِأَنَّهُ يَأْخُذُنَا،
‏بَلْ لِأَنَّهُ يَأْتِي وَنَحْنُ مَشْغُولُونَ بِأَشْيَاءَ تَافِهَةٍ جِدًّا.
‏نُعَدِّلُ وِسَادَةً.
‏نُغْلِقُ نَافِذَةً.
‏نُفَكِّرُ فِي الغَدِ.
‏وَنَضَعُ خُطَّةً لِصَبَاحٍ لَنْ نَرَاهُ.
‏نِمْتُ.
‏وَفِي الصَّبَاحِ،
‏دَخَلَ الضَّوْءُ كُلَّ الأَمَاكِنِ الَّتِي كُنْتُ أَسْكُنُهَا.
‏دَخَلَ مِنَ النَّافِذَةِ.
‏مَرَّ فَوْقَ الكُرْسِيِّ.
‏لَامَسَ الكَأْسَ الَّذِي تَرَكْتُ فِيهِ رَشْفَةً.
‏وَوَقَفَ أَمَامَ المِرْآةِ.
‏وَلَمْ يَجِدْ وَجْهِي.
‏مَرَّ يَوْمٌ.
‏ثُمَّ آخَرُ.
‏وَبَدَأَتِ الأَشْيَاءُ تَتَعَلَّمُ غِيَابِي بِسُرْعَةٍ مُخِيفَةٍ.
‏المِرْآةُ تَعَلَّمَتْ أَلَّا تَنْتَظِرَ وَجْهًا.
‏الكُرْسِيُّ تَعَلَّمَ أَلَّا يَحْفَظَ انْحِنَاءَ جَسَدٍ.
‏وَالكَأْسُ…
‏تَعَلَّمَ أَنْ يَكُونَ فَارِغًا.
‏وَحْدَهَا المِرْآةُ لَمْ تَنْسَ.
‏لِأَنَّهَا، فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي مِتُّ فِيهَا،
‏لَمْ تَرَ آخِرَ نَظْرَةٍ فِي عَيْنَيَّ.
‏رَأَتْ شَيْئًا آخَر.
‏رَأَتْنِي أَقِفُ أَمَامَهَا،
‏وَأَقُولُ:
‏«غَدًا سَأَكُونُ أَفْضَلَ.»
‏ثُمَّ…
‏بَقِيَتْ تَنْتَظِرُ ذَلِكَ الغَدَ.
‏وَلَمْ يَأْتِ.
‏لِأَنَّ بَعْضَ الوُعُودِ لا تَخُونُنَا حِينَ نَخْلِفُهَا…
‏بَلْ حِينَ نَمُوتُ قَبْلَ أَنْ نَخْتَبِرَ إِنْ كُنَّا سَنَفِي بِهَا.
‏

مقالات ذات صلة