لَيْلَةُ مَوْتِي كَانَتِ السَّمَاءُ تُشْبِهُ سَقْفًا مُنْخَفِضًا فَوْقَ مَدِينَةٍ تَخْشَى أَنْ تَرْفَعَ رَأْسَهَا. لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ قَمَرٌ. وَلَا نُجُومٌ كَافِيَةٌ لِكَيْ يَشْعُرَ اللَّيْلُ بِأَنَّهُ لَيْلٌ. فَقَطْ ذَلِكَ السَّوَادُ الطَّوِيلُ، مَمْدُودًا فَوْقَ النَّافِذَةِ، كَسِتَارٍ أُسْدِلَ مُبَكِّرًا عَلَى مَسْرَحٍ لَمْ يَعُدْ فِيهِ مَنْ سَيُصَفِّقُ. كُنْتُ وَحْدِي. وَلَمْ أَشْعُرْ بِأَنَّ فِي وَحْدَتِي شَيْئًا غَرِيبًا. صَبَبْتُ المَاءَ فِي كَأْسِي، وَتَرَكْتُ فِيهِ رَشْفَةً أَخِيرَةً دُونَ أَنْ أَقْصِدَ. مَشَيْتُ فِي الغُرْفَةِ حَافِيَةً، فَصَاحَ الخَشَبُ تَحْتَ قَدَمَيَّ بِصَوْتٍ خَافِتٍ. تَوَقَّفْتُ. لِثَانِيَةٍ وَاحِدَةٍ، شَعَرْتُ أَنَّ الأَرْضَ تَعْرِفُ شَيْئًا لا أَعْرِفُهُ. ثُمَّ ضَحِكْتُ. نَحْنُ نَضْحَكُ أَحْيَانًا عِنْدَمَا لا نَفْهَمُ مَا يَحْدُثُ، لِأَنَّ العَقْلَ يُفَضِّلُ أَنْ يَكُونَ سَاذَجًا عَلَى أَنْ يَكُونَ آخِرَ مَنْ يَعْرِفُ. جَلَسْتُ أَمَامَ المِرْآةِ. كَانَ وَجْهِي هُنَاكَ. وَلَكِنْ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، لَمْ أَشْعُرْ أَنَّهُ لِي. تَأَمَّلْتُ عَيْنَيَّ طَوِيلًا، وَقُلْتُ فِي سِرِّي: غَدًا سَأَكُونُ أَفْضَلَ. ثُمَّ مَسَحْتُ عَنِ المِرْآةِ بُقْعَةً صَغِيرَةً، وَأَطْفَأْتُ النُّورَ. لَمْ أَعْرِفْ أَنَّ تِلْكَ الجُمْلَةَ الصَّغِيرَةَ سَتَبْقَى وَحْدَهَا مِنِّي. فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، تَرَكْتُ هَاتِفِي مَفْتُوحًا. كَانَتْ هُنَاكَ رِسَالَةٌ لَمْ أَقْرَأْهَا. وَاتِّصَالٌ لَمْ أُجِبْ عَلَيْهِ. وَصُورَةٌ قَدِيمَةٌ تَحْتَفِظُ بِوَجْهِي كَمَا لَمْ يَعُدْ أَحَدٌ يَحْفَظُهُ. كَانَ كُلُّ شَيْءٍ مُعَلَّقًا. إِلَّا أَنَا. أَنَا كُنْتُ أَمْشِي نَحْوَ نِهَايَتِي بِهُدُوءِ شَخْصٍ يَظُنُّ أَنَّهُ ذَاهِبٌ لِيَنَامَ فَقَط. وَقَبْلَ أَنْ أُغْمِضَ عَيْنَيَّ، نَظَرْتُ إِلَى السَّاعَةِ. كَانَتْ تُشِيرُ إِلَى وَقْتٍ عَادِيٍّ جِدًّا. أَرْبَعَةٌ وَسَبْعُونَ دَقِيقَةً مِنْ لَيْلٍ لا يَذْكُرُهَا أَحَدٌ. وَلِذَلِكَ رُبَّمَا كَانَ المَوْتُ قَاسِيًا. لَيْسَ لِأَنَّهُ يَأْخُذُنَا، بَلْ لِأَنَّهُ يَأْتِي وَنَحْنُ مَشْغُولُونَ بِأَشْيَاءَ تَافِهَةٍ جِدًّا. نُعَدِّلُ وِسَادَةً. نُغْلِقُ نَافِذَةً. نُفَكِّرُ فِي الغَدِ. وَنَضَعُ خُطَّةً لِصَبَاحٍ لَنْ نَرَاهُ. نِمْتُ. وَفِي الصَّبَاحِ، دَخَلَ الضَّوْءُ كُلَّ الأَمَاكِنِ الَّتِي كُنْتُ أَسْكُنُهَا. دَخَلَ مِنَ النَّافِذَةِ. مَرَّ فَوْقَ الكُرْسِيِّ. لَامَسَ الكَأْسَ الَّذِي تَرَكْتُ فِيهِ رَشْفَةً. وَوَقَفَ أَمَامَ المِرْآةِ. وَلَمْ يَجِدْ وَجْهِي. مَرَّ يَوْمٌ. ثُمَّ آخَرُ. وَبَدَأَتِ الأَشْيَاءُ تَتَعَلَّمُ غِيَابِي بِسُرْعَةٍ مُخِيفَةٍ. المِرْآةُ تَعَلَّمَتْ أَلَّا تَنْتَظِرَ وَجْهًا. الكُرْسِيُّ تَعَلَّمَ أَلَّا يَحْفَظَ انْحِنَاءَ جَسَدٍ. وَالكَأْسُ… تَعَلَّمَ أَنْ يَكُونَ فَارِغًا. وَحْدَهَا المِرْآةُ لَمْ تَنْسَ. لِأَنَّهَا، فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي مِتُّ فِيهَا، لَمْ تَرَ آخِرَ نَظْرَةٍ فِي عَيْنَيَّ. رَأَتْ شَيْئًا آخَر. رَأَتْنِي أَقِفُ أَمَامَهَا، وَأَقُولُ: «غَدًا سَأَكُونُ أَفْضَلَ.» ثُمَّ… بَقِيَتْ تَنْتَظِرُ ذَلِكَ الغَدَ. وَلَمْ يَأْتِ. لِأَنَّ بَعْضَ الوُعُودِ لا تَخُونُنَا حِينَ نَخْلِفُهَا… بَلْ حِينَ نَمُوتُ قَبْلَ أَنْ نَخْتَبِرَ إِنْ كُنَّا سَنَفِي بِهَا.