المقالات والسياسه والادب

ما بين مطرقة العمى وسندان الإبصار

بقلم سليمة مالكي
نور القمر من الجزائر
ما بين مطرقة العمى وسندان الإبصار
قرأت منذ زمن قصة قصيرة بعنوان «بلد العميان» هي إحدى أشهر أعمال الكاتب الإنجليزي هربرت جورج ويلز (H.G. Wells)، نشرت لأول مرة عام 1904 في مجلة The Strand و تم لاحقًا إدراجها ضمن مجموعته القصصية Country of the Blind and Other Stories عام 1911 .
القصة تحكي قصة قرية تقع بواد معزول أصيب كل سكانها بالعمى و بالصدفة رجل يدعى نيونز يسقط عندهم ويبقى عالقا فيقيم بها لمدة ويكون المُبْصِر الوحيد بينهم ….
تخَيَلَ نيونز لوهلة أنه سيكون ملكًا لأنه يرى وسط العميان ولكن ما حدث كان مذهل وغريب..!
أهل القرية لا يعرفون الإبصار أبدًا و هو حاول أن يشرح لهم بكل الطرق أن الإبصار نعمة كبيرة جدًا و عَمَاهُم هذا هو مرض يحرمهم من متعة الحياة ومن الممكن الشفاء منه ، فحاول أن يرسم لهم شكل الحياة عند من يملكون البصر ….
أفكار نيونز كانت شاذة عن القاعدة بالنسبة اليهم وغريبة و لم يتقبلوها واعتبروها جنونًا وتهديدًا لاستقرارهم ومعتقداتهم ،وإلحاحه عليها كان بمثابة كسر لنظام تعوَّدوا عليه لأعوام .
وللحظة وجد نفسه متهمًا بإدخال الفتنة بينهم و طرح أفكار من شأنها إرباك المنظومة وخرق القوانين وخلق بلبلة وسط الأصغر والأضعف منهم ….
ويشاء القدر أن يقع في حب فتاة من القرية ويرغب بالارتباط بها لكن …!
مجتمع العميان رفضه رفضًا قاطعا ! إلاَّ بشرط .
كان عليه التخلي عن عينيه ليكون مثل الجميع !
و ليقبلوا به وكان هذا رأي الفتاة التي أحبها أيضا،فاقترحوا بل قرروا اقتلاع عينيه ليكون عاديًا مثلهم تماما ويتخلص من مرارة الرؤية .
بطل القصة وقع بين خيارين إمَّا أن يسمح لهم بذلك و يتزوج حبيبته ويعيش معهم بسلام …
أو يهرب من تلك القرية ..!
في آخر القصة قرر الهروب ليختار الحرية والبصيرة على الانصياع لهم .
القصة رمزية وتنتقد المجتمعات المنغلقة على أفكار معقدة وخاطئة وترفض الاختلاف حتى لو كان هو الأصح والأصلح وتتمسك بالأعراف بالقوة و الجهل ولو كانت خاطئة واقتلاع عين نيونز كان للتخلص مما تمثله الرؤية من تهديد لأفكارهم ومعتقداتهم .
البصيرة ورؤية العالم هي نعمة كبيرة بل هي متعة الحياة الحقيقية لكنهم رفضوا الفكرة ولم يتقبلوها نهائيا فالعمى عندهم كان عقيدة ثابتة و متوارثة حتى لو كان الإبصار سينقدهم من الظلام و الجهل لكن الشخص الوحيد المبصر بالنسبة لهم كان مذنبا و خارجا عن القانون ومهددا لاستقرارهم ومنظومتهم الفاشلة .
التمسك بمفاهيم خاطئة لمجرد أن الأغلبية قررت ذلك أو لأنها متوارثة عن آبائنا وأجدادها هذا منتهى الغباء والرجعية والتخلف
الله ميَّزَنَا بالعقل لسنا قطيعًا كالدواب لنتبع القائد دون فهم ولا نقاش .
هذا تماما ما حصل لمّا بُعِثَ رسولنا محمد صلى الله عليه و سلم لأمة كانت غارقة بالجاهلية
والتخلف معتَقدات قديمة وخاطئة كوأد البنات ، الثأر والانتقام ،العصبية القبلية ،عبادة الأصنام ،حرمان المرأة من الميراث ، الطيرة الميسر ،
فجاءت رسالة الاسلام لتنير بصيرتنا فقد كنا مثل قرية العميان غارقين بالجهل و الظلام .

مقالات ذات صلة