المقالات والسياسه والادب

ندما تُسلب أركان البيوت كيف تحول الكرم إلى وسيلة لإلغاء الذات

د.ذكاء رشيد

ندما تُسلب أركان البيوت كيف تحول الكرم إلى وسيلة لإلغاء الذات
​في العلاقات الإنسانية، تُعدّ الطيبة والشهامة من أسمى الصفات التي يمتلكها المرء، لكنها في بعض الأحيان قد تتحول إلى ثغرة يُنفذ منها الآخرون للهيمنة والاستحواذ. تبدأ الحكاية ببابٍ يُفتح على مصراعيه بدافع العطف أو النخوة؛ تُستقبل «الضيفة» بكل كرم وترحاب، وتُفرش لها المساحات لتشعر بالأمان والاحتواء.

​غير أن السيناريو لا يقف عند حدود الواجب الأخلاقي؛ فسرعان ما تبدأ المرحلة الثانية، وهي «التسلل والتغلغل». تتحول الضيفة تدريجيًا من زائرة عابرة إلى عنصر فاعل في تفاصيل البيت اليومية. تتدخل في القرارات، وتتعلم خبايا المكان، وتنسج حضورها بداعي المساعدة والحرص، حتى يرى أهل البيت فيها فردًا لا يُستغنى عنه.

​لكن المأساة الحقيقية تكمن في المرحلة الأخيرة: «الإلغاء والإزاحة». مع تمكن هذه الشخصية، يتلاشى الحياء وتتغير النبرة، وتبدأ ممارسة سلطة خفية تهدف إلى تقليص وجود صاحب البيت الأصلي. يُصادر رأيه، وتُهمّش مكانته، ويُدفع خطوة تلو الأخرى إلى الهامش، لتجد الشخصية المضيفة نفسها غريبة في ملكها، بينما تحكم «الضيفة» قبضتها على المقاليد كليًا.

​إن هذه الظاهرة لا تقتصر على الجدران والأثاث، بل هي نموذج متكرر في العلاقات الاجتماعية والعملية؛ حيث يُستغل كرم الأخلاق كفرصة لانتزاع المكاسب. والدرس الأهم الذي تحتمه هذه التجارب ليس الانغلاق أو قطع المعروف، بل إدراك أن للضيافة أمدًا، وللطيبة حدودًا، وأن حماية المساحة الشخصية واجبٌ لا يقل أهمية عن إغاثة الملهوف.

مقالات ذات صلة