المقالات والسياسه والادب

هجمات 11 سبتمبر عام 2001  في ذكراها

كتب وجدي نعمان

في مثل هذا اليوم 11 سبتمبر عام 2001 – هجوم بالطائرات يستهدف مبنى مركز التجارة العالمي في نيويورك ومبنى وزارة الدفاع في فيرجينيا، وأشارت أصابع الاتهام إلى تنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، وهي الأحداث التي عرفت باسم أحداث 11 سبتمبر، وقد أدت إلى تداعيات كبيرة في العالم، وتسببت هذه الأحداث في مقتل 2977 شخصًا إضافة إلى 19 من إرهابيي تنظيم القاعدة المسؤولين عن خطف الطائرات، إضافة لآلاف الجرحى والمصابين بأمراض جراء استنشاق دخان الحرائق والأبخرة السامة.

هجمات 11 سبتمبر عام 2001  في ذكراها

دعت الأمم المتحدة إلى تجديد الالتزام المشترك ببناء مستقبل خالٍ من الإرهاب، تزامنًا مع إحياء الذكرى الخامسة والعشرين لأحداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة.

جاء ذلك في بيان أصدره، الخميس، نائب المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة فرحان حق؛ بمناسبة مرور 25 عامًا على أحداث 11 سبتمبر، نشرته منظمة الأمم المتحدة.

وجاء في البيان: إن “الهجمات الإرهابية الشنيعة التي وقعت في 11 سبتمبر 2001 – التي مثلت اعتداءً على الإنسانية جمعاء – حصدت أرواح الآلاف وتركت أثرًا لا يُمحى في عالمنا”.

وأكد حق، تضامن الأمم المتحدة مع عائلات وأحباء الضحايا الذين ناهز عددهم 3 آلاف شخص – من الولايات المتحدة وأكثر من 90 دولة أخرى -، فضلًا عن إشادتها بفرق الاستجابة الأولية التي أظهرت شجاعة وإنسانية استثنائيتين في مواجهة المأساة، حيث قدم الكثير منهم التضحية القصوى.

وأشار إلى أن “هذا العام يصادف أيضًا مرور عشرين عامًا على اعتماد الدول الأعضاء لاستراتيجية الأمم المتحدة العالمية لمكافحة الإرهاب؛ وهو ما يذكرنا بأن مكافحة الإرهاب مهمة مشتركة لم تكتمل فصولها بعد”.

و أفادت قناة RT في العاشر من سبتمبر أن مدينة نيويورك أقامت مؤخراً عرضاً للطائرات بدون طيار لإحياء ذكرى الضحايا وتكريم أولئك الذين واجهوا الخطر بشجاعة خلال الهجمات الإرهابية التي وقعت في 11 سبتمبر قبل 25 عاماً.

أُطلقت قرابة 3000 طائرة مسيّرة من جزيرة غوفرنرز، لإعادة بناء نسخة طبق الأصل بالحجم الطبيعي لبرجي مركز التجارة العالمي التوأمين. وقد حُدّد العدد الدقيق للطائرات المسيّرة تخليداً لذكرى كل روح أُزهقت.

و استخدمت الولايات المتحدة ما يقارب 3000 طائرة بدون طيار لإعادة بناء برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك. فيديو : RT

في التاسع من سبتمبر، أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن أمريكا لن تنسى خسائر هجمات الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية. كما شارك الزعيم الأمريكي تجاربه الشخصية في نيويورك وقت وقوع المأساة، قائلاً إنه شهد أموراً لا يرغب في رؤيتها مرة أخرى.

وقال ترامب: “كانت الرحلة إلى مكان الحادث في الأيام التي تلت ذلك تجربة صعبة”.

قبل الذكرى السنوية الخامسة والعشرين مباشرة، افتتحت مدينة نيويورك أيضًا بوابة بيانات عامة، ونشرت ما يقرب من 170 ألف صفحة من السجلات المتعلقة بجودة الهواء والمخاطر الصحية واستجابة الحكومة بعد هجمات 11 سبتمبر.

و هجمات 11 سبتمبر أو هجمات 11 أيلول وتُعرف كذلك باسم أحداث 11 سبتمبر واختصارًا 9/11 هي مجموعة من الهجمات استهدفت الولايات المتحدة في يوم الثلاثاء الموافق 11 سبتمبر 2001، وجرت بواسطة أربع طائرات نقل مدنية تجارية، تقودها أربع فرق تابعة لتنظيم القاعدة، وُجِهت لتصطدم بأهداف محددة، وقد نجحت ثلاث منها في ذلك، بينما سقطت الرابعة بعد أن استطاع ركَّاب الطائرة السيطرة عليها من يد الخاطفين لتغيير اتجاهها، ما أدَّى إلى سقوطها وانفجارها في نطاق أراضي ولاية بنسلفانيا.

تمثلت أهداف الطائرات الثلاث في برجي مركز التجارة الدولية الواقعة في مانهاتن ومقر وزارة الدفاع الأمريكية، المعروف باسم البنتاغون، بينما لم تُحدٍّد التحريات حتى اليوم الهدف الذي كان يريد خاطفو الطائرة الرابعة ضربه.

تسببت هذه الأحداث بمقتل 2996 شخصًا بينهم منفذي الهجمات البالغ عددهم 19، بالإضافة لآلاف الجرحى والمصابين بأمراض؛ جراء استنشاق دخان الحرائق والأبخرة السامة. أمر وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد بزيادة مستوى ديفكون إلى 3، كما أخذت الاحتياطات لزيادة مستوى ديفكون إلى 2، لكن هذا لم يحدث. ولم تفلح هذهِ الاحتياطات في صد هجمات الطائرات على البرجين ووُجهت انتقادات شديدة لمسؤوليها الأمنيين.[1]

اختطف 19 من تنظيم القاعدة أربع طائرات ركاب تديرها شركتان أمريكيتان رائدتان للنقل الجوي (الخطوط الجوية المتحدة والخطوط الجوية الأمريكية) وغادرت جميعها من مطارات في شمال شرق الولايات المتحدة متجهة إلى كاليفورنيا. اصطدمت طائرتان (الخطوط الجوية الأمريكية الرحلة 11 والخطوط الجوية المتحدة الرحلة 175) بالبرجين الشمالي والجنوبي على التوالي لمجمع مركز التجارة العالمي في منطقة مانهاتن السفلى. وبعد ساعة و42 دقيقة، انهار البرجان المكوّنان من 110 طوابق، مع فارق زمني يقدّر بنصف ساعة تقريباً بين انهيار البرج الأول والبرج الثاني. وتسبّب الحطام والحرائق الناتجة عن ذلك بانهيار جزئي أو كامل لجميع المباني الأخرى في مجمع مركز التجارة العالمي، بما في ذلك برج مركز التجارة العالمي 7 المكوّن من 47 طابقاً، فضلاً عن أضرار كبيرة لحقت بعشر مبانٍ أخرى كبيرة محيطة به. اصطدمت الطائرة الثالثة (الخطوط الجوية الأمريكية الرحلة 77) بمبنى وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) في مقاطعة أرلنغتون بولاية فيرجينيا، ما أدّى إلى انهيار جزئي في الجانب الغربي منه. أمَّا الطائرة الرابعة (الخطوط الجوية المتحدة الرحلة 93) فقد كانت متّجهة نحو العاصمة واشنطن، للاصطدام إمّا بالبيت الأبيض أو مبنى الكونغرس الأمريكي (الكابيتول)، حسب ما تشير الأدلّة، لكنّها تحطّمت في حقل في بلدية ستونيكريك الواقعة ضمن مقاطعة سومرست بالقرب من شانكسفيل بولاية بنسلفانيا؛ بعد أن تدخّل الركاب وقاوموا الخاطفين.

سُرعان ما وُجِّهت الشكوك والاتهامات نحو تنظيم القاعدة، وردَّت الولايات المتحدة بشن ما أسمته الحرب على الإرهاب، وغزت أفغانستان للإطاحة بحكومة طالبان؛ لأنها رفضت مطالب الولايات المتحدة بتسليم أسامة بن لادن وتفكيك معسكرات تنظيم القاعدة، فقد اشترطت طالبان على الولايات المتحدة تقديم أدلّة ملموسة على تورط أسامة بن لادن في الأحداث لكي تُسلِّمه، ومحاكمته في دولة إسلامية محايدة، لكن الولايات المتحدة رفضت شروط طالبان واعتبرتها “مماطلة”، ما أدّى إلى بدء الغزو في 7 أكتوبر 2001 تلاه حرب استمرت 20 عاماً.

عززت بلدان كثيرة حول العالم تشريعاتها لمكافحة الإرهاب ووسعت من سلطات أجهزة الأمن وإنفاذ القانون والاستخبارات لمنع هجمات مماثلة. ورغم إنكار بن لادن في البداية أي تورط له في الهجمات، فقد أعلن في عام 2004 مسؤوليته عنها.[2] ذكر تنظيم القاعدة وبن لادن دوافعهم المتمثلة بالدعم الأمريكي لإسرائيل ووجود القوات الأمريكية في المملكة العربية السعودية والعقوبات المفروضة على العراق. بعد التملص من الاعتقال لمدة عقد من الزمان تقريبًا، كان بن لادن موجودًا في باكستان وقُتل على يد «فريق سيل 6» التابع للبحرية الأمريكية في مايو 2011 أثناء فترة إدارة الرئيس أوباما.

تدمير مركز التجارة العالمي والهياكل الأساسية المجاورة أضرَّ اقتصاد مدينة نيويورك بصورة حادَّة وكان ذو أثر كبير على الأسواق العالمية. أُغلق شارع وول ستريت حتى 17 سبتمبر بالإضافة إلى المجال الجوي للطائرات المدنية الأمريكية والكندية حتَّى 13 سبتمبر. تَبِع ذلك العديد من الإغلاقات والإجلاءات والإلغاءات من باب الاحترام والعزاء أو خوفًا من وقوع المزيد من الهجمات. جرى استكمال تنظيف موقع مركز التجارة العالمي في مايو 2002، ورُمِّم مبنى البنتاغون في غضون عام. بدأ تشييد مركز التجارة العالمي 1 في نوفمبر 2006، وافتُتح المبنى في نوفمبر 2014.[3][4] شُيدَّت العديد من النُصب التذكارية، بما في ذلك النصب التذكاري والمتحف الوطني لأحداث 11 سبتمبر في مدينة نيويورك، ونصب البنتاغون التذكاري في مقاطعة أرلينغتون (فرجينيا)، والنصب التذكاري الوطني للرحلة 93 في موقع التحطم بالقرب من شانكسفيل.

استنادًا إلى محتويات «الـ28 صفحة» المنقحة من تقرير ديسمبر 2002 حول «التحقيق المشترك في أنشطة مجتمع الاستخبارات قبل وبعد تلك الهجمات في 11 سبتمبر 2001»، ادَّعى اثنان من أعضاء مجلس الشيوخ السابقين أنَّ الحكومة السعودية كانت متورطة في الهجمات. وتحتوي هذه الصفحات على معلومات متعلقة بالمساعدة المادية والمالية التي قدمها المسؤولون السعوديون للخاطفين والشركات التابعة لهم قبل الهجمات.

نتيجة للهجمات، دخلت الولايات المتحدة في حالة طوارئ وطنية منذ عام 2001.

الخلفية

تنظيم القاعدة

تعود أصول تنظيم القاعدة إلى عام 1979، عندما غزا الاتحاد السوفييتي أفغانستان. سافر أسامة بن لادن إلى أفغانستان، وساعد في تنظيم المجاهدين العرب لمقاومة السوفييت.[5] وتحت توجيه من أيمن الظواهري، أصبح ابن لادن أكثر تطرفًا.[6] في عام 1996، أصدر ابن لادن أول فتوى له، يدعو فيها الجنود الأمريكيين إلى مغادرة السعودية.[7]

في الفتوى الثانية له في عام 1998، أوضح ابن لادن اعتراضاته على السياسة الأمريكية الخارجية فيما يتعلق بإسرائيل، إلى جانب الوجود المستمر للقوات الأمريكية في السعودية بعد حرب الخليج.[8] استخدم ابن لادن نصوصًا إسلامية لتحريض المسلمين على الهجوم على الأمريكيين حتى ترد المظالم المذكورة. وفقًا لابن لادن، «اتفق العلماء المسلمون عبر التاريخ الإسلامي بالإجماع على أنَّ الجهاد واجب على الفرد إذا دمر الأعداء دولًا إسلامية».[8]

أسامة بن لادن

نظَّم ابن لادن الهجمات وأنكر في البداية تورطه فيها، لكنه تراجع لاحقًا عن تصريحاته.[9][10] بثّت قناة الجزيرة، في 16 سبتمبر من عام 2001، بيانًا صادرًا عنه يقول فيه:«أؤكد أنَّني لم أخطط لهذا العمل، الذي يبدو أن منفِّذيه أفرادٌ لهم دوافعهم الخاصة».[11] في عام 2001، استعادت القوات الأمريكية شريطا فيديو مسجلًا من بيت مُدمَّرٍ في جلال؛آباد، أفغانستان. يمكن رؤية ابن لادن في الفيديو يتحدث إلى خالد الحربي ويعترف بمعرفته المسبقة بالهجمات.[12] في 27 ديسمبر، عام 2001، أُصدر فيديو آخر لابن لادن. قال في الفيديو:

أصبح من الواضح أنَّ الغرب بشكلٍ عامٍ، وأمريكا بشكلٍ خاصٍ، لديهم حقدٌ لا يوصف على الإسلام… إنَّه حقدُ الصليبيين. يستحق الإرهاب ضد أمريكا الثناء؛ لأنَّه كان ردًا على الظلم، والهدف منه هو إجبار أمريكا على إيقاف دعمها لإسرائيل، التي تقتل شعبنا… نقول إنَّ نهاية الولايات المتحدة باتت وشيكة، سواءً كان ابن لادن أو أتباعه ميتين أو على قيد الحياة، لأن صحوة الأمَّة الإسلامية قد بدأت.

لكنه لم يصل إلى الاعتراف بمسؤوليته عن الهجوم.[13] بعد فترةٍ قصيرة من الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2004، استخدم ابن لادن شريطًا مسجلًا يعترف فيه بشكل علني بتورط القاعدة بالهجمات على الولايات المتحدة. اعترف بعلاقته المباشرة بالهجمات وعلل تنفيذها قائلًا:

نحن أحرار… ونريد استعادة حرية أمَّتنا. عندما تخرِّبون أمننا، سنخرٌب أمنكم.[14]

قال ابن لادن أنَّه وجَّه شخصيًا أتباعه لمهاجمة مركز التجارة العالمي والبنتاغون.[15][16] حصلت قناة الجزيرة على فيديو آخر في سبتمبر 2006، يظهر ابن لادن مع رمزي بن الشيبةإلى جانب اثنين من خاطفي الطائرات، حمزة الغامدي ووائل الشهري، عندما كانوا يُحضرون للهجمات.[17] لم تتهم الولايات المتحدة ابن لادن بهجمات 9/11، لكنَّه كان على قائمة المطلوبين لمكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) لتفجير سفارات الولايات المتحدة في دار السَّلام، تنزانيا، ونيروبي، كينيا.[18][19] بعد مطاردة دامت عشر سنوات، أعلن رئيس الولايات المتحدة باراك أوباما أنَّ ابن لادن قُتِل على يد القوات الأمريكية الخاصة في مُجمّعه في آبوت آباد، باكستان، في 1 مايو عام 2011.[20]

هجمات 11 سبتمبر عام 2001  في ذكراها
هجمات 11 سبتمبر عام 2001  في ذكراها
حطام مجمع مركز التجارة العالمي. صورة ملتقطة بعدسة طائرة من طراز سيسنا ستيشن جيت التابعة للإدارة

خالد شيخ محمد

قال الصحفي في قناة الجزيرة، يسري فودة، في تقرير له إنَّ خالد شيخ محمد اعترف بتورطه في الهجمات،[21][22][23] إلى جانب رمزي بن الشيبة. أفاد تقرير المفوضية عن هجمات 9/11 لعام 2004، أنَّ عِداءَ محمدٍ، المُخَطِّط الرئيسي لهجمات 9/11، تجاه الولايات المتحدة ناتج عن «خلافه الشديد مع سياسة الولايات المتحدة الداعمة لإسرائيل».[24] كان محمد أيضًا مستشارًا وممولًا لتفجيرات مركز التجارة العالمي في عام 1993، وهو عمُّ رمزي يوسف، المفجر الرئيسي في الهجوم.[25][26]

اعتُقل محمد في 1 مارس عام 2003، في روالبندي، باكستان، على يد مسؤولين أمنيين باكستانيين يعملون مع وكالة المخابرات الأمريكية. احتُجِز في حينها في عدة سجون سرية تابعة لوكالة المخابرات الأمريكية وفي خليج غوانتنامو، حيث جرى استجوابه وتعذيبه بطرق من ضمنها الغرق في الماء.[27][28] اعترف محمد مجددًا خلال جلسات الاستماع في خليج غوانتانامو في مارس عام 2007، بمسؤوليته عن الهجمات، مصرِّحًا أنَّه «كان مسؤولًا عن عمليات 9/11 من الألف إلى الياء» وأنَّ تصريحه هذا لم يكن تحت الضغط.[29]

أشار محامو خالد شيخ محمد في رسالة قدموها إلى محكمة المقاطعة الأمريكية، في مانهاتن، في تاريخ 26 يوليو عام 2019، إلى أنَّه كان مهتمًا بإدلاء شهادته حول دور السعودية في هجمات 9/11، ومساعدة الضحايا وعائلات ضحايا 9/11، مقابل عدم مطالبة الولايات المتحدة بإعدامه. طرح جيمس كرينلدر، أحد محامي الضحايا، تساؤلاته حول الفائدة من محمد.[30]

أعضاء آخرين من القاعدة

ذكرت أسماء خمسة أشخاص، «في التعويض عن شهادة خالد شيخ محمد» ضمن محاكمة زكريا الموسوي، كانوا على علم تام بتفاصيل العملية. هؤلاء الأشخاص هم ابن لادن، وخالد شيخ محمد، ورمزي بن الشيبة، وأبو تراب الأردني، ومحمد عاطف.[31] حتى الآن، لم يُدَن ويُحاكم سوى الشخصيات الهامشية في الهجمات.

في 26 سبتمبر عام 2005، حكمت المحكمة الإسبانية العليا على أبو الدحداح بالسجن سبعة عشر عامًا، بتهمة التآمر في هجمات 9/11 ولكونه عضوًا في تنظيم القاعدة. في الوقت نفسه، حُكم على 17 عضواً آخرين بالسجن بين ستة إلى إحدى عشر عامًا.[32] في فبراير عام، خفَّفت المحكمة الإسبانية العليا من عقوبة أبو الدحداح إلى 12 عامًا، لأنَّها اعتبرت أنَّ مشاركته في المؤامرة لم تكن مؤكدة.[33]

في عام 2006، أُدين موسوي – الذي اشتُبه مُسبقًا أنَّه المختَطف رقم 20 – بالدور الأقل أهمية في التآمر لارتكاب أعمال وصِفٕت بالإرهابيةِ وأعمال القرصنة الجوية. حُكِم عليه بالسجن مدى الحياة دون الإفراج المشروط في الولايات المتحدة.[34][35] أمضى منير المتصدق – أحد المختطفين في قاعدة هامبورغ – 15 عامًا في ألمانيا؛ ليؤدي دوره في مساعدة الخاطفين على الاستعداد للهجمات. أُطلِق سراحه في أكتوبر 2018، وتم ترحيله إلى المغرب.[36]

ضمَّت خلية هامبورغ الإسلامية في ألمانيا منفِّذين تبيَّن في النهاية أنَّهم عملاء رئيسيون في هجمات 11 سبتمبر.[37] محمد عطا، ومروان الشحي، وزياد جراح، ورمزي بن الشيبة، وسعيد بحجي، جميعهم كانوا من أعضاء خلية هامبورغ التابعة لتنظيم القاعدة الإرهابي.[38]

معلومات استخباراتية

في أواخر عام 1999، اتصل وليد بن عطاش (الملقَّب خلاد) أحد أعضاء تنظيم القاعدة – بخالد المحضار وقال له أنَّه سيلتقي به في كوالالمبور بماليزيا، وحضر اللقاء أيضًا نواف الحازمي وأبو براء اليمني. اعترضت وكالة الأمن القومي اتصالًا هاتفيًا ذُكِر فيه الاجتماع والمحضار واسم (نواف الحازمي). رغم أنَّ الوكالة خشيَّت من وجود شيء شنيع قيد التنفيذ، فإنَّها لم تتخذ أي إجراء آخر. وقد حذَّرت المخابرات السَّعوديَّة وكالة المخابرات المركزية بالفعل بشأن حالة المحضار والحازمي بصفتهما عضوين في تنظيم القاعدة الإرهابي، اقتحم فريق المخابرات المركزيَّة الأمريكيَّة غرفة الفندق الخاصة بالمحضار بدبي واكتشفت وجود تأشيرة أمريكيَّة بحَوزته. في حين أنَّ وحدة تعقب ابن لادن (أو محطة أليك) نبَّهت وكالات الاستخبارات في مختلف أنحاء العالم إلى هذه الحقيقة، فإنَّها لم تشارك هذه المعلومات مع مكتب التحقيقات الفيدرالي. راقب جهاز استخبارات الفرع الخاص الماليزي اجتماع 5 يناير 2000 بين عضوي تنظيم القاعدة، وأبلغ وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية أنَّ المحضار والحازمي ووليد بن عطاش(خلاد) انطلقوا على متن طائرة متوجهين إلى بانكوك، ولكنَّ وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية لم تُخطِر وكالات أخرى بهذا، ولم تطلب من وزارة الخارجية وضع المحضار على قائمتها للمراقبة. طلب مكتب التحقيقات الفدرالي في اتصال مع وحدة تعقب ابن لادن تصريحًا بإبلاغ مكتب التحقيقات الفدرالي بالاجتماع، لكنه تلقى ردًا أنَّ: «هذا الأمر ليس من شأنِّ مكتب التحقيقات الفيدرالي».[39]

في أواخر يونيو، كان ريتشارد كلارك المسؤول البارز في مكافحة الإرهاب، وجورج تينيت مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية «مقتنعين بأن سلسلة كبيرة من الهجمات على وشك الوقوع»، رُغم أنَّ وكالة الاستخبارات المركزية اعتقدت أنَّ الهجمات من المرجح أن تحدث في المملكة العربية السعودية أو إسرائيل.[40] في أوائل يوليو، وضع كلارك الوكالات المحلية في «حالة تأهب قصوى» قائلًا لها: «ثمَّة شيء هائل حقًا سيحدث هنا. قريبًا». طلب من مكتب التحقيقات الفدرالي ووزارة الخارجية تنبيه السفارات وأقسام الشرطة ووزارة الدفاع بالتحوُّل لـ «حالة التهديد دلتا».[41][42] كتب كلارك فيما بعد: «في مكان ما في السي آي إيه كانت هناك معلومات عن وجود اثنين من إرهابيي القاعدة المعروفين في الولايات المتَّحدة، وفي مكتب التَّحقيق الفيدراليِّ كانت هناك معلومات عن وقوع أحداث غريبة في مدارس الطيران بالولايات المتَّحدة. وكان لديهم معلومات محددة عن الأفراد الإرهابيين. ولم يصل إليَّ أو إلى البيت الأبيض أيٌّ من هذه المعلومات».[43]

في 13 يوليو، أرسل توم ويلشر – عميل المخابرات الأمريكيَّة المركزيَّة المكلَّف بقسم الإرهاب الدوليِّ التابع لمكتب التحقيق الفيدراليِّ – بريدًا إلكترونيًا إلى رؤسائه في مركز مكافحة الإرهاب (سي تي سي) التابع للسي آي ايه يطلب فيه إذنًا؛ لإبلاغ مكتب التحقيقات الفيدرالي عن وجود الحازمي في البلاد وأنَّ المحضار لديه تأشيرة أمريكية. ولم تردْ وكالة الاستخبارات المركزية على ذلك قط.[44]

في اليوم نفسه من شهر يوليو، أُبلِغت مارغريت غيليسبي، وهي محلِّلة من مكتب التحقيقات الفيدراليِّ تعمل في مركز مكافحة الإرهاب، بتنفيذ مراجعة مواد حول الاجتماع المعقود في ماليزيا. ولم يتم إخبارها بوجود أطراف الاجتماع في الولايات المتحدة، فقد أعطت السي آي إيه صور كاميرا مراقبة لغيليسبي تظهر المحضار والحازمي في الاجتماع كي تريها لمكتب التحقيقات الفيدرالي لمكافحة الإرهاب دون إطلاعها على أهميتها. أبلغتها قاعدة بيانات إنتلنك (الإنجليزية: Intelink database) بعدم مشاركة مواد استخباراتية عن الاجتماع مع المحققين الجنائيين. وعندما عرضت الصوَّر، رفض مكتب التحقيقات الفيدرالي تقديم المزيد من التفاصيل عن أهميتها، ولم يقدموا تاريخ ميلاد المحضار أو رقم جواز سفره.[45] وفي أواخر أغسطس 2001، طلبت غيليسبي من دائرة الهجرة والتجنيس، ووزارة الخارجية، ودائرة الجمارك، ومكتب التحقيقات الفيدرالي، أن يضعوا الحازمي والمحضار على قوائم المراقبة الخاصة بهم، إنَّما مُنع مكتب التحقيقات الفيدرالي من استخدام عملاء مجرمين في البحث عن الثنائي، ما أعاق جهودهم.[46]

في يوليو أيضًا، أرسل عميل مكتب التحقيقات الفيدرالي الموجود في فينيكس رسالة إلى مقرِّ مكتب التحقيق الفيدراليِّ، وحدة تعقب ابن لادن، بالإضافة إلى عملاء إف بي آي في نيويورك محذرًا إياهم حول «احتمالية وجود جهود منسقة يقودها أسامة بن لادن لإرسال طلاب للولايات المتحدة لحضور جامعات وكليات الطيران المدني». وأشار العميل كينيث ويليامز إلى ضرورة مقابلة جميع مُدراء مدارس الطيران وتحديد جميع الطلاب العرب الذين يسعون إلى التدرُّب على الطيران.[47] في يوليو، حذَّرت الأردنُالولايات المتحدة من أنَّ تنظيم القاعدة كان يخطِّط لشنِّ هجوم على الولايات المتحدة «بعد شهور»، أبلغت الأردن الولايات المتحدة بأن الاسم الرمزي للهجوم هو «العرس الكبير» وأنَّه يتعلَّق بطائرات.[48]

في 6 أغسطس 2001، عُنْوِن تقرير وكالة المخابرات المركزية الإخباري اليومي الرئاسي (بّي دي بي) وهو تقرير مخصص «للرئيس فقط» بالعنوان التالي «ابن لادن مُصَمِّم على ضرب الولايات المتحدة» وأشارت المذكِّرة إلى أنَّ «معلومات مكتب التحقيقات الفيدرالي تشير إلى أنماط من الأنشطة المشبوهة في البلد تتماشى مع الاستعدادات لعمليات اختطاف أو أنواع أخرى من الهجمات».[49]

في منتصف أغسطس، أبلغت إحدى مدارس منيسوتا للطيران مكتب التحقيقات الفيدرالي عن زكريا موسوي الذي طرح «أسئلة مشبوهة». اكتشف مكتب التحقيقات الفدرالي أنَّ موسوي شخص سافر إلى باكستان، اعتقلته دائرة الهجرة والتجنيس بسبب تجاوز فترة صلاحية تأشيرته الفرنسية. رفض مقر مكتب التحقيقات الفيدرالي طلبهم بتفتيش حاسوبه المحمول؛ بسبب عدم وجود سبب وجيه قانونًا لذلك.[50]

عُزيت حالات الإخفاق في تبادل المعلومات الاستخبارية إلى سياسات وزارة العدل في عام 1995 التي تحد من تبادل المعلومات الاستخبارية، بالإضافة إلى إحجام وكالة المخابرات المركزية ووكالة الأمن القومي عن الكشف عن «مصادر وأساليب عمل حساسة» كمراقبة الهواتف.[51] الإدلاء بشهادة أمام لجنة هجمات 9/11 في أبريل 2004، أشار النائب العام للولايات المتحدة آنذاك جون آشكروفت أثناء إدلائه بشهادته أمام لجنة هجمات 9/11 إلى أنَّ «السبب الهيكلي الأكبر والوحيد وراء مشكلة 11 سبتمبر هو الجدار الذي عزل أو فصل المحققين الجنائيين عن عملاء الاستخبارات».[52] وكتب كلارك أيضًا: «هناك إخفاقات داخل المنظمات في إيصال المعلومات إلى المكان الصحيح في الوقت الصحيح».[53]

مسار الأحداث

حسب الرواية الرسمية للحكومة الأمريكية، يوم الثلاثاء 11 سبتمبر 2001 نفذ 19 شخصًا على صلة بـتنظيم القاعدة هجمات باستعمال طائرات مدنية مختطفة. وانقسم منفذو العملية إلى أربع مجاميع ضمت كل مجموعة شخصا تلقى دروسا في معاهد الملاحة الجوية الأمريكية. وكان الهجوم عن طريق اختطاف طائرات نقل مدني تجارية، ومن ثم توجيهها لتصطدم بأهداف محددة. وكانت الهجمة الأولى حوالي الساعة 8:46 صباحا بتوقيت نيويورك، حيث اصطدمت إحدى الطائرات المخطوفة بالبرج الشمالي من مركز التجارة العالمي. وبعدها بربع ساعة في حوالي الساعة 9:03، اصطدمت طائرة أخرى بمبنى البرج الجنوبي. وبعد ما يزيد على نصف الساعة، اصطدمت طائرة ثالثة بمبنى البنتاغون. بينما كان من المفترض أن تصطدم الطائرة الرابعة بالبيت الابيض، لكنها تحطمت قبل وصولها للهدف.

أدت هذه الأحداث إلى حصول تغييرات كبيرة في السياسة الأمريكية، والتي بدأت مع إعلانها الحرب على الإرهاب، ومنها الحرب على أفغانستان وسقوط نظام حكم طالبان، والحرب على العراق، وإسقاط نظام صدام حسين هناك أيضا.

وبعد أقل من 24 ساعة على الأحداث، أعلن حلف شمال الأطلسي أن الهجمة على أي دولة عضو في الحلف هو بمثابة هجوم على كافة الدول التسع عشرة الأعضاء. وكان لهول العملية أثر على حشد الدعم الحكومي لمعظم دول العالم للولايات المتحدة ونسي الحزبان الرئيسيان في الكونغرس ومجلس الشيوخ خلافاتهما الداخلية. أما في الدول العربية والإسلامية، فقد كان هناك تباين شاسع في المواقف الرسمية الحكومية مع الرأي العام السائد على الشارع الذي كان أما لا مباليا أو على قناعة بأن الضربة كانت نتيجة ما وصفه البعض «بالتدخل الأمريكي في شؤون العالم».

بعد ساعات من أحداث 11 سبتمبر، وجهت الولايات المتحدة أصابع الاتهام إلى تنظيم القاعدة وزعيمه أسامة بن لادن. ويذكر أن القوات الأمريكية ادعت أنها عثرت في ما بعد على شريط في بيت مهدم جراء القصف في جلال آباد في نوفمبر 2001، يظهر فيه أسامة بن لادن وهو يتحدث إلى خالد بن عودة بن محمد الحربي عن التخطيط للعملية. وقد قوبل هذا الشريط بموجة من الشكوك بشأن مدى صحته.[54] ولكن بن لادن -في عام 2004 م- وفي تسجيل مصور تم بثه قبيل الانتخابات الأمريكية في 29 أكتوبر 2004 م، أعلن مسؤولية تنظيم القاعدة عن الهجوم.[55] وتبعا لمكتب التحقيقات الفيدرالي، فإن محمد عطا (واسمه الكامل محمد عطا السيد) هو الشخص المسؤول عن ارتطام الطائرة الأولى بمبنى مركز برج التجارة العالمي، كما أعتبر محمد عطا المخطط الرئيسي للعمليات الأخرى التي حدثت ضمن ما أصبح يعرف بأحداث 11 سبتمبر.

ما بعد الأحداث

نتج عن هجوم 11 سبتمبر ردود فعل فورية على الحدث، بما في ذلك ردود الفعل المحلية وجرائم الكراهية واستجابة المسلمين الأمريكيين للحدث والاستجابات الدولية على الهجوم والردود العسكرية على الأحداث. أنشأ الكونغرس بسرعة برنامج تعويض شامل في أعقاب الحدث لتعويض ضحايا هجوم 11 سبتمبر وأسرهم أيضًا.

الاستجابة الفوريةعدلعدل المصدر

هجمات 11 سبتمبر عام 2001  في ذكراها
رئيس الولايات المتحدة جورج دبليو بوش يتلقى تفاصيل الهجومات في ساراسوتا بولاية فلوريدا.

في الساعة 8:32 صباحًا، أبلغ مسؤولو إدارة الطيران الفيدرالية (إف إف إيه) عن اختطاف الرحلة 11، وأبلغوا بدورهم قيادة دفاع الفضاء الجوي الأمريكية الشمالية (نوراد). أرسلت نوراد طائرتين طراز إف-15 إيغل من قاعدة أوتيس للحرس الوطني الجوي في ماساتشوستس، وكانتا في الجو بحلول الساعة 8:53 صباحًا.[56] بسبب الاتصالات البطيئة والمشوشة من مسؤولي إدارة الطيران الفيدرالية، لاحظت نوراد أنَّ الرحلة 11 قد اختطفت، ولم يصدر أي إخطار عن أي من الرحلات الأخرى قبل تحطمها. بعد إصابة كلا البرجين التوأمين، أُرسلت المزيد من المقاتلات من قاعدة لانغلي للقوات الجوية في فرجينيا في الساعة 9:30 صباحًا.[56] وفي الساعة 10:20 صباحًا. أصدر نائب الرئيس ديك تشيني أوامر بإسقاط أي طائرة تجارية يُؤكد اشتباهها على أنَّها مختطفة. ولم تصل هذه التعليمات في الوقت المناسب للطائرات الحربية لاتخاذ الإجراءات.[56][57][58][59] أقلعت بعض الطائرات إلى الجو دون ذخيرة حيَّة، مع علمهم أنَّه لمنع الخاطفين من ضرب أهدافهم المقصودة، قد يُضطرون إلى صدم وتحطيم طائرتهم بالطائرات المُختطفة، مع إمكانية قذفهم خارجًا في اللحظة الأخيرة.[60]

ولأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة، نُفِّذَت خطة «سكاتانا»،[61] وبالتالي تعليق عشرات الآلاف من المسافرين في جميع أنحاء العالم.[62] في اليوم الأول من عمل بِن سليني كمدير العمليات الوطنية في إدارة الطيران الفيدرالية،[63] أمر بإغلاق المجال الجوي الأميركي في وجه جميع الرحلات الدولية، ما أدى إلى إعادة نحو 500 رحلة جوية إلى بلدان أخرى أو إعادة توجيهها إليها. وتلقت كندا 226 رحلة من الرحلات المحولة وأطلقت «عملية الشريط الأصفر»؛ للتعامل مع الأعداد الكبيرة من الطائرات التي حطّت على أراضيها والمسافرين الذين تقطعت بهم السبل.[64]

كان لهجمات 11 سبتمبر آثار فورية على الشعب الأميركي من المحيط للمحيط.[65] أخذ رجال الشرطة والإنقاذ من مختلف أنحاء البلاد إجازة من وظائفهم وسافروا إلى مدينة نيويورك؛ للمساعدة في انتشال الجثث من البقايا المتشابكة للبرجين التوأم.[66] تصاعدت التبرعات بالدم بصورة حادة في الولايات المتحدة في الأسابيع التالية لـ 9/11.[67][68]

أدت وفاة البالغين في الهجمات إلى فقدان أكثر من 3000 طفل لأحد والديهم.[69] وثقت الدراسات اللاحقة ردود فعل الأطفال على هذه الخسائر الفعلية وعلى الخسائر المخيفة في الأرواح، وعلى بيئة الحماية في أعقاب الهجمات، وعلى مقدمي الرعاية الباقين على قيد الحياة.[70][71][72]

ردود الفعل الداخلية

جرائم كراهية إرهابية

بعد الهجمات بفترة قصيرة، ظهر الرَّئيس بوش بشكل علني في أكبر المراكز الإسلامية في واشنطن العاصمة، واعترف «بالمساهمة القيِّمة للغايَّة» التي قدمها المسلمون الأمريكيون لبلدهم ودعا لمعاملتهم باحترام.[73] أُبلِغَ عن العديد من حوادث الإزعاج وجرائم الكراهية ضد المسلمين والآسيويين الجنوبيين في الأيام التي تلت الهجمات.[74][75][76] اُستُهدف السيخيون أيضًا؛ لأنَّ الذكور من السيخ يرتدون عمامة عادةً، وهي مرتبطة بالمسلمين بشكل نمطي. أفادت تقارير عن هجمات على المساجد والمباني الدينية الأخرى (بما في ذلك تفجير معبد هندوسي بالقنابل الحارقة) وهجمات على أشخاص، بما في ذلك جريمة قتل واحدة وهو بالبير سينغ سودي وهو سيخيٌّ اعتُقد خطًأ أنَّه مسلم، أُردي ميتًا بالرصاص في مدينة ميسا، أريزونا في 15 سبتمبر 2001.[76] تمَّ ترحيل عشرين فردًا من عائلة أسامة بن لادن بشكل عاجل خارج البلاد على متن طائرة خاصة تحت إشراف مكتب التحقيقات الفيدرالي بعد ثلاثة أيام من الهجمات.[77]

وفقًا لدراسة أكاديمية، الأشخاص الذين نُظر إليهم على أنَّهم شرق أوسطيين كانوا عرضة لأن يقعوا ضحايا لجرائم الكراهية الإرهابية بنفس درجة أتباع الإسلام أثناء تلك الفترة. وجدت الدراسة أيضًا زيادة مماثلة في جرائم الكراهية ضد أشخاص ربما اعتُبِروا مسلمين وعرب وآخرين اعتُقد أنهم شرق لمجموعة مناصرة الأمريكيين الجنوب آسيويين المعروفة باسم «الأمريكيون الجنوب آسيويون يقودون معًا» التغطية الإعلامية لـ 645 حادثة تحيز ضد الأمريكيين من جنوب آسيا أو الشرق الأوسط بين 11 و17 سبتمبر. تم توثيق جرائم مختلفة مثل التخريب والحرق المتعمد والاعتداء وإطلاق النار والإزعاج والتهديدات في أماكن عديدة.[78][79]

الدوافع

رأى المحققون إعلان أسامة بن لادن الجهاد ضد الولايات المتحدة، وفتواه عام 1998 وآخرين، التي دعت إلى قتل الأمريكيين، دليلًا على دافعه.[80] في «رسالة إلى أمريكا» في نوفمبر عام 2002، قال بن لادن صراحةً أن الدوافع وراء هجمات القاعدة تشمل:

  • دعم الولايات المتحدة لإسرائيل.
  • دعم «الهجمات ضد المسلمين» في الصومال.
  • دعم الفلبين ضد المسلمين في صراع مورو.
  • دعم «العدوان» الإسرائيلي ضد المسلمين في لبنان.
  • دعم روسيا «الفظائع المرتكبة بحق المسلمين» في الشيشان.
  • الحكومات الموالية لأمريكا في الشرق الأوسط (الذين «يتصرفون كعملاء لأمريكا») فيما يتعارض مع مصالح المسلمين.
  • دعم ظلم الهنود للمسلمين في كشمير
  • وجود القوات الأمريكية في المملكة العربية السعودية.
  • حصار العراق.[81]

بعد الهجمات، نشر بن لادن والظواهري أشرطة فيديو وتسجيلات صوتية إضافية، كرر بعضها أسباب الهجمات. كان هناك منشوران مهمان خصوصًا هما «رسالة إلى أمريكا» التي قدمها بن لادن عام 2002، وشريط فيديو صوره في عام 2004.[82]

أوّل بن لادن حديث النبي محمد بأنه منع «الوجود الدائم للكفار في السعودية». في عام 1996، أصدر بن لادن فتوى يدعو فيه القوات الأميركية إلى مغادرة السعودية. في العام 1998، كتب تنظيم القاعدة، «منذ أكثر من سبع سنوات والولايات المتحدة تحتل أراضي الإسلام في أكثر الأماكن قداسة، شبه الجزيرة العربية، وتنهب خيراتها، وتملي على حكامها، وتذل شعبها، وتروّع جيرانها، وتحول قواعدها في شبه الجزيرة إلى رأس حربة لقتال الشعوب الإسلامية المجاورة».[83]

في مقابلة أجريت معه في ديسمبر من عام 1999، قال بن لادن إنه يشعر أن الأمريكيين «قريبون جدًا من مكة»، واعتبر ذلك بمثابة استفزازٍ للعالم الإسلامي بأسره. اقترح أحد التحليلات حول التفجير الانتحاري أنه لولا وجود القوات الأمريكية في السعودية لما تمكن تنظيم القاعدة من حث الناس على تنفيذ المهام الانتحارية.[84]

في عام 1998، اعتبرت القاعدة العقوبات المطبقة على العراق سببًا لقتلهم الأمريكيين، وأدانت «الحصار المطوّل» من بين عدة أفعالٍ أخرى شكّلت إعلانًا للحرب ضد «الله ورسوله والمسلمين». أعلنت الفتوى أن «الحكم بقتل الأميركيين وحلفائهم -مدنيين وعسكريين- واجب فردي على كل مسلم قادر على فعل ذلك في أي بلد يُتاح له، من أجل تحرير المسجد الأقصى والمسجد الحرام في مكة من قبضتهم، ولتخرج جيوش الأمريكان من أراضي الإسلام، مهزومة غير قادرة على إخافة أي مسلم».[85]

في عام 2004، قال بن لادن بأن فكرة تدمير أبراج التجارة ارتأت له لأول مرة في العام 1982، عندما شهد قصف إسرائيل للمباني السكنية العالية خلال حرب لبنان عام 1982. ادعى بعض المحللين، بمن فيهم ميرشايمر ووالت، أن دعم الولايات المتحدة لإسرائيل كان أحد دوافع الهجمات. في عامي 2004 و2010، ربط بن لادن مرة أخرى هجمات 11 سبتمبر بدعم الولايات المتحدة لإسرائيل. ».[86]

تُطرح دوافع أخرى إضافة إلى تلك التي صرّح بها كل من بن لادن والقاعدة. اقترح بعض المحللين بأن «الإذلال» الذي نتج عن سقوط العالم الإسلامي، جاعلًا إياه متأخرًا عن العالم الغربي – ظهر هذا التباين بشكل واضح باتجاه العولمة، والرغبة في استفزاز الولايات المتحدة إلى شن حرب أوسع ضد العالم الإسلامي على أمل تحفيز حلفاء أكثر لدعم القاعدة. على نحو مشابه، زعم آخرون أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر كانت حركة إستراتيجية هدفها دفع أمريكا إلى حرب من شأنها التحريض على ثورة يشارك بها عموم المسلمين.[87]

التخطيط

كان خالد شيخ محمد أوَّل من تصوَّر الهجوم وقدمه إلى أسامة بن لادن عام 1996، في ذلك الوقت، كان ابن لادن والقاعدة ضمن مرحلة انتقالية، بعد العودة إلى أفغانستان من السودان. كانت تفجيرات السفارات الأمريكية في أفريقيا عام 1998 والفتوى التي أصدرها ابن لادن في العالم 1998 نقطة تحول في العملية للقاعدة، إذ عقد ابن لادن عزمه الهجوم على الولايات المتحدة.[88]

في أواخر عام 1998 وأوائل عام 1999، وافق بن لادن على مضي محمد في التخطيط والتنظيم، عقد ابن لادن ونائبه محمد عاطف سلسلة من الاجتماعات في مطلع العام 1999. قدم عاطف دعماً تشغيليًا شمل تحديد الأهداف وترتيب سفر منفذي الهجوم. رفض ابن لادن خطة محمد في استهداف أهداف مثل برج مصرف الولايات المتحدة في لوس أنجلوس بسبب ضيق الوقت.[89]

قدم ابن لادن القيادة والدعم المالي وشارك في اختيار المشاركين، إذ وقع اختياره بدايةً على نواف الحازمي وخالد المحضار، الذين كان كلاهما جهاديين متمرسين قَاتَلا في حرب البوسنة والهرسك. وصل الحزمي والمحضار إلى الولايات المتحدة في منتصف شهر يناير عام 2000. في أوائل عام 2000، تلقى الحازمي والمحضار دروساً في الطيران في سان دييغو بولاية كاليفورنيا، ولكن لم يتقن كلاهما سوى قليل من اللغة الإنجليزية، وكان أداؤهما ضعيفًا في دروس الطيران، وشَغَلا في النهاية دور منفذين ثانويين.[90][91]

في أواخر عام 1999، وصلت مجموعة رجال من هامبورغ، ألمانيا، إلى أفغانستان؛ كان من بين هؤلاء محمد عطا ومروان الشحي وزياد جراح ورمزي بن الشيبة. وقع اختيار ابن لادن على هؤلاء لكونهم متعلمين، ويجيدون الإنجليزية، ولديهم خبرة في الحياة في الغرب. كان يُفحص المجندون الجدد بشكل روتيني لتنمية مهاراتهم الخاصة، وبالتالي وجد قادة القاعدة أنَّ هاني حنجور كان يملك بالفعل رخصة طيار تجارية. قال محمد لاحقًا بأنه ساعد منفذي الهجوم على التخفِّي بتعليمهم كيفية طلب الطعام في المطاعم وارتداء ملابس غربية.[92]

وصل حنجور إلى سان دييغو في 8 ديسمبر عام 2000، لينضم إلى الحازمي. سرعان ما غادر الاثنان إلى أريزونا، حيث تلقى تلحازمي تدريبًا تنشيطيًا. وصل مروان الشحي في نهاية شهر مايو عام 2000، في حين وصل محمد عطا في 3 يونيو عام 2000، ووصل زياد جراح في 27 يونيو عام 2000. تقدم ابن الشيبة للحصول على تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة، لكن لكونِّه يمنيًا، رُفض خوفًا من أن يتجاوز فترة إقامته حسب الفيزا. بقي بن الشيبة في هامبورغ، مديرًا التنسيق بين عطا ومحمد. تلقى أعضاء خلية هامبورغ الثلاثة تدريبات تجريبية في جنوب فلوريدا.[93]

في ربيع عام 2001، بدأ المنفذون الثانويون بالوصول إلى الولايات المتحدة. في يوليو عام 2001، التقى محمد عطا بابن الشيبة في إسبانيا، حيث نسَّقوا تفاصيل الهجوم، بما في ذلك اختيار الهدف النهائي. أوصل ابن الشيبة أمل بن لادن في تنفيذ الهجمات بأسرع وقت ممكن. حصل بعض منفذ الهجوم على جوازات سفر من مسؤولين سعوديين فاسدين كانوا من أفراد عائلاتهم، أو استخدموا جوازات سفر مزيفة للدخول.[94]

دارت فكرة حول اختيار منفذي الهجوم ذلك التاريخ لتشابهه مع 9-1-1، رقم الهاتف للإبلاغ عن حالات الطوارئ في الولايات المتحدة. غير أنَّ لورانس رايت كتب أنَّ المنفذين اختاروا ذلك التاريخ لأن 11 سبتمبر عام 1683 هو اليوم الذي بدأ فيه ملك بولندا معركة فيينا التي طُردت بنهايتها الجيوش الإسلامية العثمانية التي حاولت الاستيلاء على فيينا، كان ذلك هو التاريخ الذي فرض فيه الغرب سيطرة فوق الإسلام، وبتنفيذه الهجوم في ذلك التاريخ، كان يأمل في خطو خطوة باتجاه «الفوز» في حرب القوة والتأثير العالميين.[95]

الآثار

المشاكل الصحية

انتشر مئات آلاف الأطنان من الحطام السام الذي يحتوي على أكثر من 2,500 نوع من الملوثات السامة، بما في ذلك المواد المسرطنة المعروفة، عبر مانهاتن السفلى بسبب انهيار البرجين التوأمين. زُعم أن التعرض للسموم الموجودة في الحطام قد ساهم في الإصابة بأمراض قاتلة أو مضنية لدى الأشخاص الذين كانوا في غراوند زيزو. أمرت إدارة بوش وكالة حماية البيئة (إي بّي إيه) بإصدار بيانات مطمئنة بشأن جودة الهواء في أعقاب الهجمات، بحجة الأمن القومي، لكن وكالة حماية البيئة لم تبت بعودة جودة الهواء إلى مستويات ما قبل 11 سبتمبر حتى يونيو 2002.[96][97]

طالت الآثار الصحية السكان والطلاب وموظفي المكاتب في مانهاتن السفلى والحي الصيني المجاور. رُبطت العديد من الوفيات بالغبار السام، وأُدرجت أسماء الضحايا في النصب التذكاري لمركز التجارة العالمي. تشير التقديرات إلى إصابة نحو 18,000 شخص بالأمراض نتيجة للغبار السام. هناك أيضًا توقعات علمية تفيد بأن التعرض للمنتجات السامة المختلفة في الهواء قد يكون له آثار سلبية على نمو الأجنة. يوجد حاليًا مركز مرموق يُعنى بصحة الأطفال البيئية ويعمل على إجراء التحاليل على الأطفال الذين كانت أمهاتهم حوامل أثناء انهيار مركز التجارة العالمي، وكن يقطن أو يعملن في مكان قريب. وجدت دراسة أُجريت على عمال الإنقاذ في أبريل 2010 أن جميع من خضع للدراسة يعاني من ضعف في وظائف الرئة، وأن 30% إلى 40% قد أبلغوا عن تحسن طفيف أو معدوم في الأعراض المستمرة التي بدأت خلال السنة الأولى من الهجمات.[98]

في السنوات التي أعقبت الهجمات، كانت النزاعات القانونية حول تكاليف الأمراض المتعلقة بالهجمات لا تزال في المنظومة القضائية. في 17 أكتوبر 2006، رفض قاضٍ فيدرالي إحجام مدينة نيويورك عن دفع التكاليف الصحية لعمال الإنقاذ، مما أتاح إمكانية رفع دعاوي عديدة ضد المدينة. انتُقد المسؤولون الحكوميون لحثهم العامة على العودة إلى مانهاتن السفلى في الأسابيع التي تلت الهجمات بوقت قصير. تعرضت كريستين تود ويتمان، مديرة وكالة حماية البيئة بعد الهجمات، لانتقادات شديدة وجّهها قاضي محكمة المقاطعة لقولها خطأً أن المنطقة آمنة بيئيًا. تعرض العمدة جولياني لانتقادات بعد حثه العاملين في القطاع المالي على العودة سريعًا إلى منطقة وول ستريت الأكبر.[99]

في 22 ديسمبر 2010، مرر الكونغرس الأمريكي قانون جيمس زادروغا للصحة وتعويضات أحداث 11/9، ووقع عليه الرئيس باراك أوباما ليصبح قانونًا نافذًا في 2 يناير 2011. خصص القانون 4.2 مليار دولار لإنشاء برنامج مركز التجارة العالمي الصحي، الذي يوفر الفحوصات والعلاجات للأشخاص الذين يعانون من مشاكل صحية طويلة الأمد تتعلق بهجمات 11 سبتمبر. حل برنامج الصحة التابع لمركز التجارة العالمي محل البرامج الصحية الموجودة مسبقًا والمتعلقة بأحداث 11/9 مثل برنامج المراقبة والعلاج الطبي وبرنامج مركز الصحة البيئية التابع لمركز التجارة العالمي.[100]

الأثر الاقتصادي

كان للهجمات تأثير اقتصادي كبير على الولايات المتحدة والأسواق العالمية. لم تفتح البورصات أبوابها في 11 سبتمبر وظلت مغلقة حتى 17 سبتمبر. عند إعادة افتتاحها، انخفض مؤشر داو جونز الصناعي (دي جيه آي إيه) 684 نقطة، أو 7.1%، وبلغ 8921، وهو هبوط قياسي ليوم واحد. بحلول نهاية الأسبوع، كان مؤشر داو جونز الصناعي قد هبط 1,369.7 نقطة (14.3%)، وحينها كان أكبر انخفاض له في أسبوع واحد عبر التاريخ. في عام 2001، خسرت الأسهم الأمريكية 1.4 ترليون دولار في التقييم الأسبوعي.[101][102]

في مدينة نيويورك، فُقد نحو 430,000 عمل شهري و2.8 مليار دولار من المرتبات في الأشهر الثلاثة الأولى بعد الهجمات. ظهرت الآثار الاقتصادية على قطاعات التصدير بشكل رئيسي. قُدر الناتج المحلي الإجمالي للمدينة بانخفاض قدره 27.3 مليار دولار للأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 2001 وعام 2002 بأكمله. قدمت حكومة الولايات المتحدة 11.2 مليار دولار كمساعدة فورية لحكومة مدينة نيويورك في سبتمبر 2001، و10.5 مليار دولار في أوائل عام 2002 من أجل التنمية الاقتصادية واحتياجات البنية التحتية.[103]

تضررت الشركات الصغيرة أيضًا في مانهاتن السفلى بالقرب من مركز التجارة العالمي (دُمرت 18,000 شركة منها أو هُجرت)، مما أدى إلى فقدان الوظائف مع مرتباتها. قُدمت المساعدة من خلال قروض إدارة الأعمال الصغيرة؛ ومِنح الحكومة الفيدرالية غير المشروطة لتنمية المجتمع؛ وقروض كوارث الضرر الاقتصادي. تضرر أو دُمر نحو  31,900,000 قدم مربع (2,960,000 متر مربع) من المساحات المكتبية في مانهاتن السفلى. تساءل الكثيرون عما إذا كانت هذه الوظائف ستعود يومًا، وما إذا كانت القاعدة الضريبية المتضررة ستتعافى. تظهر الدراسات التي أُجريت على التأثيرات الاقتصادية لأحداث 11 سبتمبر أن مكاتب سوق العقارات ومكاتب التوظيف في مانهاتن كانت أقل تأثرًا مما كان يُخشى في البداية، بسبب حاجة قطاع الخدمات المالية إلى التواصل المباشر.[104]

أُغلق المجال الجوي لأمريكا الشمالية لعدة أيام بعد الهجمات وانخفضت أعداد الرحلات الجوية عند إعادة فتحه، مما أدى إلى تخفيض قارب العشرين بالمئة في كفاءة النقل الجوي، وتفاقمت المشاكل المالية في قطاع الطيران الأمريكي المتعثر.

أدت هجمات 11 سبتمبر أيضًا إلى حربي الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق، إلى جانب الإنفاق الإضافي على أمن الوطن، بمبلغ إجمالي لم يقل عن 5 ترليون دولار.

التأثير الثقافي

يمتد تأثير الحادي عشر من سبتمبر إلى ما وراء الاعتبارات الجغرافية السياسية ليصل إلى المجتمع والثقافة عمومًا. شملت ردود الفعل المباشرة على أحداث 11 سبتمبر تركيزًا أكبر على الحياة المنزلية وإمضاء الوقت مع العائلة، وتكثيف الحضور في الكنيسة، وزيادة التعبير عن الوطنية برفع الأعلام الأمريكية. استجاب قطاع الإذاعة بإزالة بعض الأغاني من قوائم التشغيل، واستُخدمت الهجمات لاحقًا كعناصر للخلفيات أو كمادة روائية أو موضوع رئيسي في الأفلام والتلفاز والموسيقى والأدب. عكست البرامج التلفزيونية التي كانت قيد العرض أساسًا والبرامج المعدة بعد 11/9 الشواغل الثقافية التي ظهرت بعد أحداث 11/9.[105][106]

أصبحت نظريات المؤامرة المتعلقة بأحداث الحادي عشر من سبتمبر ظاهرة اجتماعية، على الرغم من افتقارها لدعم العلماء والمهندسين والمؤرخين الخبراء. كان لأحداث 11 سبتمبر تأثير كبير على الإيمان الديني للعديد من الأفراد؛ بالنسبة للبعض، فقد عززته، إذ وجدوا فيه المواساة للتأقلم مع فقدان الأحباء والتغلب على حزنهم؛ بدأ الآخرون يشككون في إيمانهم أو يفقدونه بالكامل، لأنهم لم يتمكنوا من التوفيق بين المعاناة وبين نظرتهم للدين.

لوحظ في الثقافة الأمريكية السائدة اللاحقة للهجمات اتخاذ إجراءات أمنية مشددة وزيادة الطلب عليها، فضلًا عن انتشار جنون الارتياب والقلق بشأن هجمات إرهابية مستقبلية تشمل الدولة بمعظمها. أكد علماء النفس أيضًا أن هناك قدرًا متزايدًا من القلق على الصعيد الداخلي إزاء الرحلات الجوية التجارية. ارتفعت جرائم الكراهية ضد المسلمين بنحو عشرة أضعاف في عام 2001، وظلت بعدها «أعلى بخمس مرات تقريبًا من معدل ما قبل 11 سبتمبر».

هجمات 11 سبتمبر عام 2001  في ذكراها

نظريات المؤامرة

تركزت أغلب آراء معتقدي المؤامرة حول علم الإدارة الأمريكية بتفاصيل ما سيحدث وتغاضيها عنه بهدف تحقيق أغراض سياسية أو شن حروب ومعارك تحت تبرير التعرض للخطر ، بل راحت تفسيرات البعض لأبعد ماهو ذلك بالمسؤولية المباشرة للحكومة الأمريكية وبخاصة الاستخبارات تجاه الأحداث [107][108] ، وعلى رغم أنه لا دليل فاصل حتى اليوم على مدى صدق أو صحة تلك الاعتقادات والتفسيرات إلا أن هذا الجدل ظل يدور إلى اليوم حتى بين بعض من مواطني الولايات المتحدة نفسهم بل ومن بعض المحللون وخبراء السياسة ، لدرجة أن بعض التقارير والاستطلاعات قد أشارت بوضوح إلى أن واحداً من كل خمسة أمريكيين (5:1) لديه اعتقاد بمسؤولية بلاده إزاء تلك الهجمات بشكل أو بآخر مسبقاً ، أي أن ما لا يقل عن 20% من الشعب الأمريكي لديه ظنون بصدق نظرية المؤامرة وهي نسبة لا يمكن تجاهلها أبداً [109] ،

وعلى أية حال فإن أبرز ما قيل في شأن إدعاء افتعال تلك الهجمات بأنها قد تمت من خلال زرع متفجرات داخلية بالبرجين أدت لحالة الانهيار الذي ظهر في المقاطع المصورة أو أن الرحلات كانت مُتحكم بمسارها عن بعد منذ لحظة إقلاع الطائرات حتى لحظة الاصطدام [110] ، وبرر البعض بذلك بأن كل شئ كان مهيئاً قبل حدوث الهجمات ولا سيما تمركز العديد من الكاميرات التلفزيونية في زاويا مختلفة والتقاطها للأحداث منذ البداية ، بينما يذهب فريق للظن بأن هناك استحالة هندسية لانهيار برجي التجارة بشكل عمودي من الأعلى للأسفل بفعل اصطدام الطائرات بها وأن هذا الأمر لا يمكن حدوثه إلا بقصد تام [111][112] ، كذلك دارت تفسيرات نظرية المؤامرة حول ضرب مبنى البنتاغون حيث يظن البعض بأن هذا المبنى الضخم وبوصفه القلعة العسكرية لأكبر دولة بالعالم مما يجعل احتياطات الأمن به تُصعب للغاية من وصول أي أهداف معادية ولا سيما في حالة الطائرات المدنية التي يسهل التحكم بها [113]، كما أن البعض قد شكك في اللقطات التي تظهر ضرب أحد واجهات مبنى وزارة الدفاع ، إذ تظهر اللقطات ارتطام جزءاً صغيراً للغاية يبدو كأنه صاروخاً موجهاً بالمبنى بما لا يؤكد يقيناً باصطدام طائرة مدنية بحجم كبير نسبياً به.

و بعد مرور ربع قرن على هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001، لا يزال العالم يعيش مع آثار ذلك اليوم الذي غير مسار السياسة الدولية وأعاد رسم أولويات الأمن والعلاقات بين الدول.

ففي صباح ذلك اليوم، استهدفت الهجمات برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك ومقر وزارة الدفاع الأمريكية في واشنطن، بينما تحطمت طائرة أخرى في ولاية بنسلفانيا.

وأسفرت الهجمات عن مقتل نحو ثلاثة آلاف شخص، ودفعت الولايات المتحدة إلى إطلاق ما عُرف بالحرب على الإرهاب.

لم تكن تداعيات الهجمات محصورة في الولايات المتحدة. فقد امتدت إلى مناطق عديدة من العالم، وكان الشرق الأوسط والعالم العربي في قلب التحولات التي تلتها.

وخلال السنوات التالية، شهدت المنطقة حروبا وتغيرات سياسية وصعود جماعات مسلحة وتزايدا في التدخلات الدولية، بينما تغيرت أيضا صورة العرب والمسلمين في عدد من المجتمعات الغربية.

بداية الحرب على الإرهاب

بعد أسابيع من الهجمات، بدأت الولايات المتحدة حربها في أفغانستان بهدف إسقاط نظام طالبان وملاحقة تنظيم القاعدة الذي حملته واشنطن مسؤولية الهجمات.

وأصبحت أفغانستان أول ساحة رئيسية للحرب الأمريكية على الإرهاب.

لكن الحرب لم تتوقف هناك. ففي عام 2003، غزت الولايات المتحدة العراق، وأطاحت بنظام صدام حسين، رغم أن الحكومة العراقية لم تكن مسؤولة عن هجمات 11 سبتمبر.

وأدى الغزو إلى انهيار مؤسسات الدولة العراقية، ثم تصاعد العنف الطائفي وظهرت جماعات مسلحة جديدة.

ومع مرور الوقت، أصبحت الحرب على الإرهاب عنوانا رئيسيا للسياسة الخارجية الأمريكية، كما عززت دول عديدة إجراءاتها الأمنية، ووسعت التعاون الاستخباراتي، وشددت الرقابة على السفر والتحويلات المالية والاتصالات.

العراق وتغيير موازين القوى

كان غزو العراق من أكثر الأحداث تأثيرا في المنطقة بعد 11 سبتمبر/ أيلول. فقد أدى إسقاط النظام العراقي إلى تغيير موازين القوى في الشرق الأوسط، وفتح المجال أمام صراعات داخلية وتدخلات إقليمية ودولية.

أسفرت هجمات 11 سبتمبر عن مقتل نحو ثلاثة آلاف شخص، ودفعت الولايات المتحدة إلى إطلاق ما عُرف بالحرب على الإرهاب.

كما ساهمت الفوضى التي أعقبت الغزو في صعود تنظيم القاعدة في العراق، ثم تطور المشهد لاحقا إلى ظهور تنظيم الدولة الإسلامية، الذي تمكن من السيطرة على مساحات واسعة في العراق وسوريا قبل أن يخسر معظم الأراضي التي سيطر عليها.

وهكذا، لم تؤد الحرب على الإرهاب إلى اختفاء التنظيمات المتطرفة، بل تغيرت أشكالها وأساليب عملها، وانتقلت من تنظيمات تعمل في الخفاء إلى جماعات تمكنت في بعض المراحل من السيطرة على مدن ومناطق واسعة.

العالم العربي أمام مرحلة جديدة

تأثر العالم العربي بصورة كبيرة بالتحولات التي بدأت بعد هجمات 11 سبتمبر/ أيلول.

فقد أصبحت مكافحة الإرهاب جزءا أساسيا من السياسات الأمنية في عدد من الدول، بينما ازدادت أهمية التعاون مع القوى الدولية في مواجهة الجماعات المسلحة.

ثم جاءت احتجاجات عام 2011 لتفتح فصلا جديدا من تاريخ المنطقة.

ففي الوقت الذي شهدت فيه بعض الدول انتقالات سياسية، دخلت دول أخرى في صراعات مسلحة وحروب طويلة، كما حدث في سوريا وليبيا واليمن.

ولا يمكن اعتبار هجمات 11 سبتمبر/ أيلول سببا مباشرا لهذه الأحداث، إلا أن الحرب على الإرهاب غيرت البيئة السياسية والأمنية التي تحركت فيها دول المنطقة خلال تلك السنوات.

كما أدى تراجع الاستقرار في عدد من الدول إلى زيادة نفوذ الجماعات المسلحة وتوسع التدخلات الإقليمية والدولية.

تصاعد الإسلاموفوبيا

لم تقتصر نتائج 11 سبتمبر/ أيلول على الحروب والسياسة، بل امتدت إلى المجتمعات نفسها.

فمنذ الهجمات، شهدت الولايات المتحدة ودول غربية أخرى تصاعدا في ظاهرة الإسلاموفوبيا، التي تشمل الخوف والعداء والتمييز ضد المسلمين.

وأدى الربط بين الإرهاب والإسلام في بعض الخطابات السياسية والإعلامية إلى ترسيخ صور نمطية عن المسلمين والعرب.

وأصبح بعض المسلمين يواجهون نظرات شك أو تمييزا في أماكن العمل والمدارس والمطارات وغيرها من الأماكن العامة.

وتظهر بيانات مركز بيو للأبحاث حجم التحول الذي حدث بعد الهجمات.

فقد ارتفعت جرائم الكراهية المعادية للمسلمين في الولايات المتحدة من 28 حادثة مسجلة عام 2000 إلى 481 حادثة عام 2001.

ورغم انخفاض العدد بعد ذلك، فإنه ظل أعلى من مستويات ما قبل 11 سبتمبر/ أيلول، حيث سجلت 205 حوادث في عام 2025.

ولم تتوقف المشكلة عند جرائم الكراهية، بل امتدت إلى صورة الإسلام في الرأي العام.

وتظهر استطلاعات حديثة أن نسبة من الأمريكيين لا تزال ترى الإسلام بصورة أكثر ارتباطا بالعنف مقارنة بديانات أخرى، بينما يرى مسلمون أمريكيون أن التمييز ضدهم والتغطية الإعلامية لقضايا الإسلام والمسلمين لا تزال تمثل مشكلة.

الأمن في مواجهة الحريات

أحدثت هجمات 11 سبتمبر/ أيلول أيضا تغيرا كبيرا في مفهوم الأمن.

فقد أصبح من المقبول في كثير من الدول اتخاذ إجراءات استثنائية لمواجهة خطر الإرهاب، مثل زيادة المراقبة وتبادل المعلومات الأمنية وتشديد إجراءات السفر.

لكن هذه الإجراءات أثارت في الوقت نفسه أسئلة حول حدود سلطة الدولة وحقوق الأفراد.

فمع توسع برامج المراقبة والاعتقال ومكافحة الإرهاب، تصاعد الجدل حول الخصوصية وحرية التعبير وحقوق المتهمين.

وأصبحت المعادلة بين حماية المجتمع والحفاظ على الحريات واحدة من أبرز القضايا التي تركتها هجمات 11 سبتمبر/ أيلول وراءها.

من تنظيم القاعدة إلى تهديدات جديدة

خلال السنوات التي تلت الهجمات، تغيرت طبيعة التهديد الإرهابي.

فبعد أن كان تنظيم القاعدة يمثل التهديد الأكبر، ظهرت جماعات جديدة تبنت أساليب مختلفة، مستفيدة من الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي لنشر الدعاية وتجنيد الأفراد.

كما لم يعد الإرهاب مرتبطا دائما بتنظيم مركزي واحد. فقد ظهرت خلايا صغيرة وأفراد نفذوا هجمات بشكل منفرد، ما جعل مواجهتها أكثر تعقيدا بالنسبة لأجهزة الأمن.

وفي المقابل، أدى صعود تنظيم الدولة الإسلامية إلى تشكيل تحالف دولي واسع لمواجهته في العراق وسوريا، في واحدة من أكبر العمليات العسكرية ضد جماعة متطرفة منذ سنوات الحرب على الإرهاب الأولى.

هل تغير العالم فعلا؟

بعد 25 عاما، يصعب النظر إلى هجمات 11 سبتمبر/ أيلول باعتبارها مجرد حدث أمريكي.

فقد تركت آثارا على العلاقات الدولية والسياسة والأمن والإعلام والهجرة وصورة المسلمين في الغرب.

كما تغيرت أولويات القوى الكبرى، وأصبح الإرهاب موضوعا دائما في اجتماعات الحكومات والمنظمات الدولية، فيما أعيد النظر في مفهوم الأمن القومي وحدود التدخل العسكري خارج الحدود.

وفي العالم العربي، تزامنت هذه التحولات مع حروب وصراعات وتغيرات سياسية عميقة، أدت إلى إعادة تشكيل التحالفات وموازين القوى، وفتحت المجال أمام قوى إقليمية ودولية جديدة.

إرث مستمر بعد ربع قرن

رغم مرور 25 عاما، لا تزال آثار 11 سبتمبر/ أيلول حاضرة في النقاش السياسي والأمني.

فقد انتهت بعض الحروب أو تغيرت طبيعتها، وتراجعت قوة تنظيمات متطرفة، لكن آثار تلك المرحلة ما زالت موجودة في عدد من دول المنطقة.

كما أن الإسلاموفوبيا أصبحت جزءا من نقاش أوسع حول الهوية والهجرة والاندماج والعلاقة بين المجتمعات الغربية والمسلمين.

وفي الوقت نفسه، لا تزال دول كثيرة تحاول تحقيق توازن بين مكافحة الإرهاب وحماية الحقوق والحريات.

وبذلك، يمكن القول إن هجمات 11 سبتمبر/ أيلول لم تغير شكل العالم في يوم واحد، لكنها أطلقت سلسلة من التحولات استمرت سنوات طويلة.

ومن أفغانستان والعراق إلى سوريا وليبيا واليمن، ومن الحرب على الإرهاب إلى تصاعد الإسلاموفوبيا، أصبح ذلك اليوم نقطة مرجعية لفهم كثير من الأحداث التي شكلت العالم خلال ربع القرن الماضي.

وبعد مرور 25 عاما، يبقى السؤال الأهم ليس فقط كيف تغير العالم بسبب 11 سبتمبر/ أيلول، بل كيف ستتعامل الأجيال القادمة مع إرث تلك الأحداث، وهل يمكن تجاوز آثارها السياسية والاجتماعية دون إعادة إنتاج أسباب الصراعات والكراهية التي رافقتها.

و مع مرور 25 عامًا على هجمات 11 سبتمبر الإرهابية، تبدو الولايات المتحدة وكأنها لم تغادر بالكامل العالم الذي تشكل في أعقاب ذلك اليوم الدامي. فالهجمات التي أودت بحياة أكثر من ثلاثة آلاف شخص لم تغير فقط شكل الأمن والسياسة الداخلية الأمريكية، وإنما أطلقت مسارًا عسكريًا وحروبًا طويلة امتدت من أفغانستان إلى العراق، مرورًا بحملات عسكرية محدودة في سوريا واليمن والصومال ومناطق أخرى، وصولًا إلى المواجهة العسكرية المباشرة مع إيران في عام 2026.

ولا تمثل الذكرى الـ25 لأكبر حدث إرهابي في القرن الحادي والعشرين مجرد محطة لاستعادة ما جرى في ذلك اليوم، وإنما لحظة لإعادة تقييم ربع قرن من السياسة الخارجية الأمريكية؛ تحولت خلاله “الحرب على الإرهاب” من حملة عسكرية محددة إلى منظومة عالمية من العمليات والتدخلات، لا تزال تكلف واشنطن تريليونات الدولارات، وتترك آثارًا بشرية وسياسية وأمنية تمتد إلى ما هو أبعد بكثير من ساحات القتال.

ربع قرن على 11 سبتمبر وحروب أمريكا مستمرة.. أفغانستان الأطول بعقدين من القتال.. العراق الأكثر دموية فى الشرق الأوسط.. وإيران آخر ميادين القتال بتوقيع ترامب.. وحروب بلا جيوش فى باكستان واليمن وسوريا والصومال

أفغانستان.. الحرب الأطول والعودة إلى نقطة البداية

كانت أفغانستان المحطة الأولى في سلسلة الحروب الأمريكية التي أعقبت 11 سبتمبر 2001. جاء التحرك العسكري سريعًا، بعد أقل من شهر على الهجمات الإرهابية، بهدف ملاحقة تنظيم القاعدة الذي خطط ونفذ الهجمات، وإسقاط نظام طالبان الذي كان يؤوي قيادات التنظيم. وبدأت الولايات المتحدة في أكتوبر حملتها العسكرية بعدما رفضت طالبان تسليم زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، الذي كان العقل المدبر للهجمات.

حققت القوات الأمريكية وحلفاؤها نجاحًا سريعًا، فتمكنت من الإطاحة بحكومة طالبان وتراجع تنظيم القاعدة. لكن الحرب تحولت تدريجيًا من عملية لملاحقة تنظيم إرهابي إلى مشروع طويل لبناء دولة ومؤسسات أمنية وسياسية جديدة.

ويقول معهد بروكينجز البحثي في تقرير له إن الهدف الأمريكي الضيق المتمثل في مكافحة الإرهاب حقق نجاحات مهمة، لكن مشروع بناء دولة أفغانية مستقرة وقادرة على البقاء ظل موضع شك منذ سنوات الحرب الأولى.

وعلى مدار 20 عامًا، لم تنجح الولايات المتحدة في إنهاء التمرد وإقامة دولة أفغانية مستقرة قادرة على البقاء، لتغادر قواتها البلاد في أغسطس 2021، وتعود حركة طالبان إلى كابول، رغم الثمن الباهظ لهذه الحرب.

فوفقًا لمشروع “تكاليف الحرب” التابع لجامعة براون، أنفقت الولايات المتحدة نحو 2.313 تريليون دولار على حرب أفغانستان والعمليات المرتبطة بها في باكستان حتى عام 2022، بينما قُدّر عدد من قتلوا بصورة مباشرة جراء الحرب بنحو 243 ألف شخص.

غزو العراق.. نقل حروب أمريكا إلى قلب الشرق الأوسط

كان الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش مهووسًا بصدام حسين، على حد تعبير بروس ريدل، المستشار السياسي لأربعة رؤساء أمريكيين منهم بوش نفسه. وبطريقة أو بأخرى، أصبحت أحداث 11 سبتمبر فرصة أمام إدارته لملاحقة الرئيس العراقي، عبر مزاعم تحولت لاحقًا إلى واحدة من أكثر عمليات التضليل المثيرة للجدل في تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية الحديث.

فحتى قبل انطلاق حرب أفغانستان، كان بوش عازمًا على ربط العراق بملف الإرهاب وتهديداته الأمنية، فزعمت إدارته منذ الأيام الأولي بعد 11 سبتمبر أن نظام صدام حسين يمتلك أسلحة دمار شامل، وأنه يمثل خطرًا على الولايات المتحدة وحلفائها.

ورغم أن الأمم المتحدة ضغطت على العراق لتفكيك برامجه النووية والبيولوجية والكيميائية بعد حرب الخليج عام 1991، فإن الرئيس جورج دبليو بوش زعم أن الزعيم العراقي صدام حسين استمر في تطويرها. وهدد مجلس الأمن الدولي العراق بـ”عواقب وخيمة” في أواخر عام 2002 إذا لم يتعاون مع عمليات تفتيش الأسلحة، لكنه لم يمنح تفويضًا صريحًا باستخدام القوة لغزو العراق.

وردت الولايات المتحدة بتشكيل “تحالف الراغبين” لغزو العراق والإطاحة بصدام حسين. وبدأ الغزو في مارس 2003، وسقطت بغداد في أبريل من العام نفسه. لكن عمليات التفتيش اللاحقة لم تجد دليلًا على وجود برامج عراقية نشطة لأسلحة دمار شامل، وهو ما ألقى بظلال ثقيلة على المبررات التي قدمتها إدارة بوش للحرب.

ولم تتوقف المأساة هنا. فعلى مدار نحو 8 سنوات، تورطت الولايات المتحدة في حرب احتلال وصراع مسلح واسع، تزامن مع تصاعد العنف الطائفي بين السنة والشيعة، مما ساهم في زعزعة استقرار المنطقة.

وصنف مؤرخون وباحثون في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية غزو العراق باعتباره واحدًا من أسوأ القرارات في تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية، لما سببه من تكاليف باهظة وإضرار بسمعة الولايات المتحدة عالميًا، فضلًا عن أنه عزز قوة القوى المعادية لواشنطن في الشرق الأوسط.

وفي مقاله بدورية فورين أفيرز الأمريكية عن تكلفة الحرب على الإرهاب بالنسبة لأمريكا، يقول الكاتب فيليب جوردون إن أكبر أخطاء الحرب على الإرهاب لم تكن تكتيكية، بل تمثلت في قرار تحويل مكافحة الإرهاب إلى مشروع عسكري عالمي. ويشير إلى أن إدارة بوش بالغت في ردها على 11 سبتمبر، عندما غزت العراق رغم عدم وجود دليل يربط نظام الرئيس صدام حسين بالهجمات.

ويضيف أن حل الجيش العراقي وإقصاء عشرات الآلاف من مسؤولي حزب البعث بعد الغزو أسهما في خلق مقاومة مسلحة غذّت سنوات من العنف، قبل أن يؤدي الاضطراب في العراق لاحقًا إلى توفير بيئة ساعدت في صعود تنظيم داعش.

باكستان واليمن.. حروب بلا جيوش

بالتوازي مع الحرب في أفغانستان، وسعت الولايات المتحدة عملياتها العسكرية إلى باكستان، خصوصًا المناطق القبلية التي اعتُبرت ملاذًا لتنظيم القاعدة وحركة طالبان باكستان.

وشنت واشنطن عشرات الضربات بطائرات مسيرة على أهداف يُشتبه في انتمائها إلى التنظيمات المسلحة، في تحول مهم داخل الاستراتيجية العسكرية الأمريكية من نشر قوات برية بأعداد كبيرة إلى الاعتماد على الضربات الجوية وعمليات الاستهداف المحددة.

وامتدت هذه الاستراتيجية لاحقًا إلى اليمن، حيث بدأت الولايات المتحدة تنفيذ ضربات ضد تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، ثم كثفت عملياتها ضد جماعات مسلحة أخرى.

وهكذا، لم تعد الحرب الأمريكية بعد 11 سبتمبر مرتبطة بجبهات تقليدية، وإنما بدأت تأخذ شكل عمليات عسكرية محدودة وضربات جوية وطائرات مسيرة تستهدف جماعات مسلحة في دول لا تخوض واشنطن معها حربًا شاملة.

سوريا والصومال.. جبهات جديدة للحرب على الإرهاب

ومع صعود تنظيم داعش في سوريا والعراق عام 2014، فتحت الولايات المتحدة جبهة جديدة، فبدأت حملة جوية واسعة ضد التنظيم في سوريا، إلى جانب دعم قوات محلية تقاتله على الأرض، بينما واصلت واشنطن وجودها العسكري في سوريا رغم اختلاف طبيعة المهمة عن حرب العراق.

وفي الصومال، حافظت الولايات المتحدة على عمليات عسكرية ضد حركة الشباب وتنظيمات مرتبطة بالقاعدة، مستخدمة الضربات الجوية والطائرات المسيرة.

وبهذه العمليات، تحولت الحرب على الإرهاب تدريجيًا إلى شبكة واسعة من التدخلات العسكرية المحدودة والمستمرة، بدلًا من حرب واحدة ذات جبهة واضحة؛ وهو تحول جعل الوجود العسكري الأمريكي يمتد إلى ساحات جديدة بعد سنوات من هجمات 11 سبتمبر.

الطريق من 11 سبتمبر إلى حرب إيران

رغم أن العداء بين واشنطن وطهران يعود إلى نهاية سبعينيات القرن الماضي مع اندلاع الثورة الإسلامية في إيران، فإن المواجهة المباشرة بين البلدين ظلت غائبة. ولم تبدأ الولايات المتحدة تصعيد الضغوط على إيران بسبب برنامجها النووي إلا في عام 2002، مع الكشف عن منشآت نووية لم تكن معلنة.

وأصدرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية يوم 12 سبتمبر 2003 قرارًا يلزم إيران بـ”الوقف الفوري والكامل” لكافة نشاطاتها المتعلقة بتخصيب اليورانيوم، وبتوقيع البروتوكول الإضافي الخاص بمعاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، والسماح الفوري بتفتيش المنشآت النووية الإيرانية “دون قيد أو شرط”.

بعدها عرضت إيران التفاوض دون الوصول إلى اتفاق، مما أسفر عن حملة من العقوبات الاقتصادية عليها لسنوات. وفي عام 2013، بدأت طهران وواشنطن مفاوضات مباشرة، ليتم التوصل إلى الاتفاق النووي الإيراني عام 2015 في عهد أوباما. إلا أن الرئيس ترامب أعلن الانسحاب منه في عام 2018، وعادت سياسة العقوبات.

وعلى مدار سنوات المواجهة، لم يقدم أي من الطرفين على التصعيد العسكري المباشر. فمن ناحية، كانت الولايات المتحدة مستنزفة في حربي العراق وأفغانستان، ومن ناحية أخرى كانت إيران تدرك الثمن الباهظ لأي حرب مباشرة في ظل العقوبات والضغوط الاقتصادية المفروضة عليها.

ومع التغييرات التي حدثت في الشرق الأوسط بعد 7 أكتوبر 2023 وما أعقبها من حرب إسرائيل على غزة، باتت المواجهة أقرب بين البلدين، لتتحول إلى مواجهة عسكرية مباشرة في 2026 مستمرة منذ 6 أشهر، لم تتمكن فيها الولايات المتحدة، برغم قوتها العسكرية الضارية، من تحقيق أي من اهدافها المعلنة، سواء القضاء على النظام الإيراني، أو إنهاء البرنامج النووي. بل إن الحرب منحت إيران نفوذاً غير مسبوق على مضيق هرمز الذى تمر عبره خمس إمدادات النفط العالمية، بما وضع إدارة ترامب فى مأزق سواء فى الداخل مع ارتفاع الأسعار بسبب تعطل الحركة فى المضيق، أو خارجيا مع تزايد الضغوط الاقتصادية المترتبة على ذلك.

ربع قرن من الحرب.. من مطاردة القاعدة إلى مواجهة الدول

بعد 25 عامًا من 11 سبتمبر، تبدو الحرب الأمريكية في إيران مختلفة في أسبابها المباشرة، لكنها تحمل بعض ملامح الإرث الذي تشكل بعد الهجمات.

فالحرب الحالية لم تبدأ باعتبارها ردًا مباشرًا على هجمات 11 سبتمبر، كما أن إيران لم تكن طرفًا في تلك الهجمات. لكن المسار التاريخي الذي بدأ بعد 11 سبتمبر أسهم في إعادة تشكيل الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط، وفتح الباب أمام سلسلة متواصلة من المواجهات والتدخلات العسكرية، وصولًا إلى المواجهة المباشرة مع طهران.

وتكشف الحرب كذلك عن استمرار مشكلة “التمدد العسكري” الأمريكي التي تراكمت خلال العقود الماضية. فواشنطن لا تواجه إيران في فراغ، وإنما تدير في الوقت نفسه شبكة واسعة من الالتزامات العسكرية حول العالم، بينما لا تزال آثار حروب أفغانستان والعراق حاضرة في الجيش الأمريكي والسياسة الخارجية الأمريكية.

وبعد ربع قرن، لم يعد السؤال فقط هو ما إذا كانت الولايات المتحدة قد نجحت في الانتقام من منفذي هجمات 11 سبتمبر، أو القضاء على تنظيم القاعدة الذي دبرها، وإنما أصبح السؤال الأوسع: ماذا صنعت الحروب التي بدأت باسم الرد على تلك الهجمات؟.

فقد قُتل أسامة بن لادن، وسقط نظام طالبان ثم عاد إلى الحكم، وغزت الولايات المتحدة العراق ثم انسحبت منه، قبل أن تعود إلى المنطقة لمواجهة تنظيم داعش، فيما انتشرت عملياتها العسكرية من باكستان واليمن إلى سوريا والصومال.

وبينما بدأت قصة ما بعد 11 سبتمبر بمطاردة تنظيم إرهابي غير تابع لدولة أو حكومة، وصلتت بعد ربع قرن إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع دولة مثل إيران، في تحول يلخص إلى حد كبير المسافة التي قطعتها السياسة الخارجية الأمريكية.

مقالات ذات صلة