المقالات والسياسه والادب
هلامية المشهد وخواء الحناجر وعري فاضح داخل الممر الثاني عشر

بقلم محمد جابر
كاتب صحفي
الممر الثاني عشر كانت الإضاءة فيه خافتة والأصوات تتناجى والعيون تتعلق بشخص يرتدي بدلة أنيقة تخفي نظارته السوداء نظرات لا تقل غموضا عن كلماته وفي يده ميدالية ذهبية تتدلى منها علامة سيارة فارهة يلوح بها كلما نطق بجملة كأنها شعار أو تهديد أو ربما لا تعني شيئا على الإطلاق
شق السكون بصوته قائلا بثقة العارف بعبثه أنا زارع الفروق هازم الوفوق فاهم الغدر ولي مكنون الفتوق خافي المعاني وقاصم الضواني وهادم ومانع المزيد وسالب العوير في ممر جوره كلمات ليست كالكلمات
في ممر يجتمع فيه الناس من بسطائهم جلست أتدبر ما قال بعقل يتأمل وعين ترى أنه لم يبتسم ولم ينتظر سؤالا بل أطلق كلماته كما لو كان يعلم أنه لن يسأل ولن يحاسب ومضى بعدها تاركا وراءه صدى عبارات لا تفهم ومشهدا لا ينسى ووجوها تتابعه بإعجاب أو حيرة أو استسلام
في تلك اللحظة أيقنت أن الممر الثاني عشر لم يكن ممرا انتخابيا فحسب بل كان مسرحا ضخما تتقاطع فيه الأدوار بين المخادعين والمخدوعين بين الزيف والفراغ بين المظهر وخيبة الأمل
وهناك بدأت أتجول بين المارة أستقصي فإذا بعجوز يهتف هنا لا يباع الصوت فقط بل تشترى النوايا وترهن الإرادات وتعقد الصفقات على موائد وهمية لا أوراق فيها ولا شهود فقط وعد قديم ووهم يتجدد
حاولت جاهدا أن أربط بين كلمات صاحب النظارة السوداء وكلمات العجوز فجلست بينهم في أحد المقاهي المطلة على الممر فإذا بصاحب المقهى يوجه إليه جملة فاصلة قائلا أين الكارت فليس من شيم الرجال أن تفعلوا ما فعلتم
تبدأ الحكاية بأناس جلسوا يندبون حظهم بعدما صدقوا نائبا زين كلماته وأطلق وعوده ثم اختفى فور حصوله على أصواتهم وكأنهم لم يكونوا يوما صوتوا له لا لأنهم وثقوا بل لأنهم خدعوا بكارت أو بعبارة وعندما انقشع الغبار لم يجدوا الكارت ولا وجدوا النائب فقط وجدوا أنفسهم وقد انضموا إلى قافلة المخدوعين
إلى جوارهم وقفت فئة أخرى تضحك لا من شفقة بل من شماتة فرحون لأنهم لم يمنحوا أصواتهم لأحد لا لأنهم أكثر وعيا بل لأنهم لم يعرض عليهم الثمن قمة الالم ما اشاهد هنا يتبادلون السخرية ويتباهون بخسارة أقل عوضا عن البحث عن مكسب حقيقي
الممر هنا مزدحم بلافتات الأحزاب ولكنك ما إن تقترب حتى تكتشف أنها لافتات عائلية كتبت عليها أسماء الأحزاب بخط صغير في حين خطت أسماء الأصدقاء والأقارب والزوجات بخط عريض وكأن الأحزاب لم تعد تنظيمات سياسية بل مشروعات عائلية صغيرة تدار بالمحبة لا بالكفاءة وبالقرابة لا بالبرنامج
أما الأحزاب التي كانت يوما كبيرة فقد اختفت أو انقسمت على ذاتها فبعضها صار ظلا لما كان عليه وبعضها الآخر لم يبق منه سوى الاسم وكأن الحراك السياسي قد تحول إلى مشهد هزلي لا يثير الضحك بل يثير الغثيان
الناس هنا لا يتجادلون حول البرامج ولا يتصارعون على الأفكار بل يتبادلون الاتهامات ويتقاسمون الخيبة وينتخبون على أساس أن من نعرفه خير ممن لا نعرفه حتى صارت الانتخابات تجارة بلا سوق وصفقة بلا ضمير
في الممر الثاني عشر لا تبحث عن نقاش ولا تنتظر وعيا فالناس إما نادمون لا يملكون القوة أو شامتون لا يملكون مشروعا لا شيء يتحرك سوى الملصقات ولا أحد يربح سوى المقاعد التي حجزت مسبقا قبل أن يفتح باب الاقتراع يعتصر الالم الذات وتنوح الروح
وقبل أن أغادر الممر لفت انتباهي حفل صاخب يتصدره عنوان لا يملك الحضور منهم سوى الملابس المستأجرة والوجوه المأجورة والعجوز المتصابية ترافقها بهاليل وبهلول ملازم لها ممول بالمال والكاميرات والمصورين وإعلام الزيف حيث تباع عضويات لا توصف إلا بأنها عهر ونصب على عقول فقدت القدرة على التمييز
لكن السؤال الذي ظل يطاردني إذا كان هذا هو حال الممر الثاني عشر فماذا ننتظر من الممر الثالث عشر هل نترقب أقنعة مختلفة لذات الوجوه أم بوهم آخر في ثوب جديد
انتظرونا قريبا




