المقالات والسياسه والادب

هل يومًا سأكون نائبًا بقلم د. تامر عبد القادر عمار

في أحد المساءات الهادئة، ربما يهمس شاب لنفسه:
“هل يمكنني أن أكون يومًا نائبًا في مجلس النواب؟
هل أملك ما يلزم؟ وهل يحق لي أن أحلم بذلك أصلًا؟”
سؤال بسيط في مظهره… لكنه يُخفي وراءه حكاية كبيرة من الطموح، والواجب، والتحديات.
في بلد كمصر، بتاريخها السياسي العريق وتجربتها النيابية الممتدة، لا يزال مقعد النائب يحمل قيمة رمزية وشرفًا كبيرًا، لا بوصفه منصبًا فقط، بل باعتباره تكليفًا ثقيلًا ومسؤولية حقيقية في خدمة الناس والتأثير في صناعة القوانين.
فمن هو النائب الحقيقي؟
النائب هو شخص يختاره الناس ليكون ممثلًا لهم داخل قاعة البرلمان، يُعبّر عن مشكلاتهم، ويقترح حلولًا، ويُشارك في سنّ القوانين ومناقشة أولويات الدولة.
لكن النائب ليس سوبرمان، ولا يُطلب منه أن يحل كل الأزمات، بل المطلوب منه أن يكون حاضرًا، واعيًا، ومتصلًا بأهل دائرته، ومُلمًّا بما يجري من حوله.
النجاح في هذا الدور لا يتطلب أن تكون من طبقة معينة، أو تملك ثروة ضخمة، بل أن تملك نية صادقة، وفهمًا للناس، ورغبة في الإصلاح.
هل يحق لأي مواطن الترشح؟
الدستور المصري واضح في هذه النقطة:
نعم، يحق لأي مواطن، طالما استوفى الشروط القانونية، أن يُرشّح نفسه لعضوية مجلس النواب أو الشيوخ.
لكن… الترشح وحده لا يكفي. فخوض الانتخابات لا يعني فقط توزيع منشورات ولا إقامة سرادقات، بل يعني أن تدخل إلى ساحة يتداخل فيها السياسي بالخدمي، والطموح بالإمكانات، والرغبة بالواقع.
التحديات التي تواجه المرشحين الشباب
لكل تجربة مرشّح خصوصيتها، لكن هناك بعض العقبات الشائعة، خاصة لدى الشباب أو من خارج الدوائر التقليدية:
1. قلة الموارد:
التمويل عنصر مؤثر في الحملات الانتخابية، ويصعُب على البعض المنافسة في ظلّ دعاية مكلفة أحيانًا.
2. ضعف الخبرة في التواصل الجماهيري:
من يترشح لأول مرة قد يواجه صعوبة في التعبير عن برنامجه، أو الوصول إلى الناس بلغة بسيطة ومقنعة.
3. الوعي الانتخابي المتفاوت:
بعض المواطنين يختارون مرشحهم على أساس شخصي أو خدماتي فقط، دون النظر إلى رؤيته أو قدرته على التشريع.
ما المطلوب من النائب بعد الفوز؟
الفوز بمقعد نيابي لا يعني الاكتفاء بالشكر والظهور الإعلامي.
بل هو بداية مهمة صعبة، تتطلب من النائب أن:
• يستمع للناس بصدق.
•يحضر الجلسات، ويشارك في اللجان التشريعية.
•يسعى لحل المشكلات المحلية بطرق مؤسسية.
•يحترم مسؤوليته الرقابية تجاه الجهات التنفيذية، دون صدام .
•يتكاتف مع الجهات التنفيذيه والحكومة لخدمة الشعب .
العمل البرلماني الحقيقي لا يكون بالصوت العالي فقط، بل بالاطلاع والهدوء والتدرج في التأثير.
هل هذا الحلم بعيد؟
قد يبدو الطريق طويلًا أو معقّدًا، لكنه ليس مستحيلًا.
اليوم، صار هناك عدد من النماذج الشابة التي استطاعت أن تصل للبرلمان وتترك بصمة، بجهدها وعلاقاتها الجيدة، وحرصها على التواصل الفعّال مع أهل دائرتها.
ومن هنا، فالمطلوب ليس أن نُهاجم من سبقونا، بل أن نتعلم من التجارب، ونبدأ من حيث انتهوا، ونسأل أنفسنا:
• هل نملك الرؤية لخدمة المجتمع؟
• هل لدينا القدرة على التعلّم والاستماع؟
• هل نحن مستعدون لتحمّل أعباء هذا الدور، بصدق وأمانة؟
“هل سأكون نائبًا يومًا ما؟”
ربما نعم… إن أعددت نفسك لذلك من الآن.
لا تبدأ من صندوق الانتخابات، بل من دفترك الخاص:
ماذا تريد؟ من تُحب أن تخدم؟ ما الأفكار التي ستطرحها؟ من يساعدك؟ وماذا ينقصك لتكون جديرًا بالمسؤولية؟
البرلمان ليس نادٍ للمشاهير، ولا ملعبًا للوجاهة…
هو بيت التشريع، ومنبر الرقابة، وصوت الناس.
فإن دخلته بإيمانك الحقيقي بدورك… فستكون نائبًا يُذكَر لا يُنسى.
وإن لم تصل إلى المقعد، فمجرد سعيك في الطريق الصحيح… يجعلك مواطنًا فاعلًا لا مجرد متفرّج

د. تامر عبد القادر عمار

كاتب صحفي

خبير التسويق والتخطيط الاستراتيجي

مهتم بقضايات التنمية والعلاقات الانسانية

مقالات ذات صلة