المقالات والسياسه والادب

أوقات بنختار البُعد عشان ننجّي روحنا

كتبت/د/ شيماء صبحي

أوقات بنختار البُعد عشان ننجّي روحنا

في مرحلة ما من العمر… بتكتشف إن مش كل وحدة وحشة، وإن مش كل الناس راحة، وإن أوقات كتير جدًا… الهدوء اللي كنت فاكره فراغ، كان هو النجاة الوحيدة لقلبك.

بتوصل للحظة تلاقي نفسك تعبت من الزحمة… مش زحمة الشوارع، زحمة المشاعر، وزحمة التبرير، وزحمة العلاقات اللي بتستهلكك أكتر ما بتطمنك.

تتعب من إنك طول الوقت مطلوب منك تكون حاضر، تسمع، وتتحمل، وتسامح، وتدي فرص، وتشرح نفسك، وتبرر نيتك، وتحاول تحافظ على ناس عمرها ما حاولت تحافظ عليك.

وهنا… الوحدة ما بتبقاش عقاب، بتبقى هدنة.

تقفل بابك شوية… مش كرهًا في الناس، لكن حفاظًا على اللي فاضل منك.

تكتشف إن القعدة لوحدك أرحم من قعدة مليانة ناس محسساك بالغربة، وإن السكوت أريح من كلام كتير ملوش قيمة، وإن سلامك النفسي أهم بكتير من أي علاقة بتاكل في روحك كل يوم.

في ناس فاكرة إن اللي بيبعد عن الناس متكبر، أو معقد، أو مكتئب… لكن الحقيقة أوقات الإنسان بيبعد لأنه شاف كتير، واتوجع كتير، واتخذل بطريقة خلّته يفهم إن مش كل قرب أمان.

في عز الوحدة… بتسمع نفسك لأول مرة. بتعرف إيه اللي بيوجعك فعلًا، وإيه اللي كنت بتجري ناحيته لمجرد خوفك من الفراغ.

الوحدة بتعلّمك تعتمد على نفسك، وتفهم إن وجود حد في حياتك لازم يكون إضافة… مش جهاز إنعاش مؤقت.

وفي العُزلة… بتكتشف حاجات كتير عن نفسك كانت مستخبية وسط دوشة الناس. بتعرف إنك تقدر تضحك لوحدك، وتهدى لوحدك، وتقف على رجلك حتى لو مفيش حد ماسك بإيدك.

أما الاستغناء… فهو مش قسوة، هو مرحلة نُضج.

لما تبطل تتعلق بأي حد لمجرد إنه موجود، ولما تبطل تستجدي الاهتمام، ولما تعرف إن كرامتك أغلى من أي شعور… ساعتها بس بتحس براحة غريبة.

راحة إنك مش مضطر تجري ورا حد. ولا تفضل تشرح نفسك. ولا تخاف من الفقد.

الاستغناء مش معناه إن قلبك حجر… بالعكس، ده معناه إنك أخيرًا فهمت إنك تستحق علاقة تطمنك مش تستنزفك.

وأوقات… الابتعاد عن بعض الناس بيكون شفاء. لأن مش كل الناس وجودها مريح، في ناس قربها فوضى، وكلامها وجع، وطاقتها تستنزف الروح بدون ما نحس.

في ناس أول ما تبعد عنهم… ترجع تنام مرتاح، وتضحك من قلبك، ويخف القلق اللي كان ساكنك.

مش معنى كدة إن الإنسان يعيش وحيد طول عمره، لكن الفكرة إنك لما تختار الناس… تختارهم بعناية، وتبطل تدخل أي حد حياتك لمجرد خوفك من الوحدة.

لأن الحقيقة اللي بنتعلمها متأخر… إن الوحدة أحيانًا أرحم بكتير من علاقة مليانة خذلان، وإن العزلة المؤقتة ممكن تعالج روح أنهكها الزيف، وإن السلام النفسي نعمة… مش أي حد يستحق يدخلها.

وفي النهاية… أجمل شعور ممكن يوصله الإنسان، هو إنه يبقى مكتفي بنفسه، لا ينتظر أحد لينقذه، ولا يتسول حبًا من أحد، ولا يخاف من الرحيل…

لأنه عرف أخيرًا… أن راحته النفسية تستحق أن يحميها، حتى لو اضطر يبتعد عن العالم

مقالات ذات صلة