المقالات والسياسه والادب

رسالة لم تمت

الكاتبة إيمان نجار

‏بعدَ منتصفِ الليلِ بقليل…

‏كانت الغرفةُ لا تشبهُ نفسها.

‏الضوءُ خافتٌ كأنهُ يتذكّرُ كيف يكونُ نورًا ولا ينجح،

‏والساعةُ على الحائطِ تمشي بلا قناعة…

‏كأنّ الوقتَ هنا

‏يؤدي وظيفةً لا يفهمها.

‏فنجانُ القهوةِ على الطاولةِ لم يكن ساخنًا تمامًا،

‏ولا باردًا بما يكفي ليُنسى…

‏كان في المنتصف

‏مثل شعورٍ لم يُسمَّ يومًا.

‏والسيجارةُ بين الأصابع

‏كانت تحترقُ بهدوءٍ مبالغٍ فيه،

‏كأنها تعرفُ أنّ أحدًا لا ينتبه

‏لكلّ هذا الانطفاء الجميل.

‏ثم…

‏من دون أن يحدث شيء يُفسَّر،

‏انزلقتِ الرسالةُ القديمةُ من بين كتابين.

‏لم تكن مجرد ورقةٍ سقطت،

‏بل كانت كأنها تعرفُ طريقها جيدًا

‏إلى هذا الضوء تحديدًا.

‏تقدّمتُ ببطءٍ فوق الطاولة

‏كم لو أني أخشى أن أوقظ شيئًا نائمًا في المكان،

‏شيئًا يشبه القلب

‏حين يتذكّر فجأة أنه كان حيًّا يومًا.

‏الحبر لم يكن باهتًا كما يُفترض بالقديم…

‏بل كان كأنه يلمع بخجل،

‏كأن الكلمات لم تمُت،

‏بل فقط أغمضت أعينها قليلًا.

‏في كلّ حرفٍ

‏كان هناك ارتجافٌ صغير،

‏ليس ارتجافَ يدٍ فقط،

‏بل ارتجافُ عمرٍ كاملٍ

‏حاول أن يبدو ثابتًا ولم ينجح.

‏وكلّ ما كان في الغرفة…

‏القهوة، السيجارة، حتى الضوء…

‏صار أقلّ أهمية منها بثوانٍ.

‏لأن شيئًا ما بداخلي

‏لا يقرأ الرسالة…

‏بل يتعرّف عليها.

‏كأنها ليست ورقة…

‏بل نبضٌ قديم

‏يطرق من الداخل

‏ويقول: “أنا ما زلت هنا.

‏وحين مددتُ يدي نحوها…

‏لم ألمس الورق مباشرة.

‏بل شعرتُ أولًا

‏بشيءٍ يشبه الدفء…

‏لكنّه ليس دفء الورق.

‏كأنّ الرسالة

‏مدّت يدها قبلي بثانية

‏وفي تلك اللحظة فقط…

‏فُتح الحبر.

‏لم يُفتح كرسالة…

‏بل كصوتٍ كان محبوسًا داخل الكلمات

‏وانكسر أخيرًا.

‏وظهر السطر الأول

‏وكأنه لا يُقرأ…

‏بل يُسمَع من الداخل:

‏“إذا وصلتك هذه،

‏فأنت لم تتأخر…

‏أنت فقط كنتَ تتظاهر بالنسيان.”

مقالات ذات صلة