إن استطعت أن يستغفر لك….. فافعل كتبت ا. سبيله صبح

إن استطعت أن يستغفر لك….. فافعل
كتبت ا. سبيله صبح
في عالمنا اليوم، نقيس نجاح المرء بعدة أشياء…. ما هي إنجازاته؟ أين سافر؟ بمن التقى؟ ومن التقط صورًا معهم من الشخصيات العامة والهامة ؟
ولو قسنا حياة الشاب اليمني أويس بن عامر بمقاييس عصرنا، لقال البعض عنه: “مسكين، فاته قطار العمر، ولم يحقق أهم فرصة في حياته”.
لكن الحقيقة أن هذا الرجل البسيط، الذي لم يترك خلفه كتابًا ولا قصرًا، كان يحمل أثمن (سيرة ذاتية) في تاريخ الأرض، سيرة كُتبت في السماء بمداد من نور، لدرجة جعلت النبي ﷺ يوصي قادة الأمة بالبحث عنه!
… تضحية في صمت…..وحلم مؤجل لم يشأ الله أن يتحقق….
عاش أويس في زمن النبوة، وكان قلبه يطير شوقًا إلى المدينة المنورة. كان يسمع عن الحبيب المصطفى ﷺ، ويتمنى لو يترك كل شيء ويسافر إليه ليقبل يده الشريفة ، ويكون صحابيًا جليلًا يروي الأحاديث ويشارك في المعارك. كان هذا حلم حياته الوحيد.
لكن، في زاوية بيته المتواضع، كانت هناك “عقبة” جميلة.. أم عجوز، مقعدة، مريضة.
لم تكن لأمه القوة على السفر، ولم يكن لها أحد في الدنيا يخدمها غيره. هنا وقف أويس بين خيارين:
أن يسافر ليحقق حلمه الروحي والشخصي ويرى النبي ﷺ.
أو أن يجلس عند قدمي أمه، يطعمها بيده، ويغسل ثوبها، ويؤنس وحشتها.
خياران كلاهما هدفًا نبيلًا منتهي غاية هذا التابعي الجليل.
اختار أويس الخيار الثاني. ألغى فكرة السفر، وأغلق باب بيته على نفسه وأمه. وفي نظر الكثيرين حينها، ربما بدا أويس رجلًا عاديًا فاته شرف الصحبة. لكن الله كان يرى صنيعه.
المفاجأة الكبري.. .. النبي الكريم ﷺ يتحدث عن “الغائب”
بينما كان أويس يظن أنه منسي في اليمن، كان النبي ﷺ يجلس مع كبار الصحابة في المدينة، ويفتح ملف هذا الشاب البسيط!
قال عنه : رسول الله ﷺ لأصحابه ما معناه: سيأتيكم رجل من اليمن اسمه أويس، كان به مرض جلدي فشُفِىَ منه إلا مقدار درهم، وله أم هو بها بار جدًا… لو أقسم على الله لأبره.
تخيل هذا المشهد! النبي ﷺ الذي لم يره أويس قط، يعرف اسمه، واسم أبيه، وتفاصيل مرضه، والسر الذي في بيته! ولم يكتفِ النبي بذلك، بل التفت إلى عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب قائلًا لهما: إذا وجدتماه، فاطلبا منه أن يستغفر لكما!
… البحث عن شخص لا يعرفه أحد….
مرت السنون، ومات النبي ﷺ، وتولى عمر بن الخطاب الخلافة. وفي كل سنة، كان عمر يترك أمور الحكم، ويقف في موسم الحج ينادي في وفود اليمن: “أفيكم أويس بن عامر؟”.
كان أهل اليمن يتعجبون: مَن أويس هذا الذي يبحث عنه أمير المؤمنين بنفسه؟
إنه مجرد راعي إبل بسيط، خامل الذكر، لا نأبه له!
وحين وجده عمر وعلي رضي الله عنهما، رأيا رجلًا يرتدي ثيابًا بالية، يرعى الإبل في أطراف مكة. فاقترب منه الفاروق عمر وقال: “أنت أويس؟” قال: نعم. قال: “استغفر لي”.
هنا تجلت المعادلة المقلوبة: ذلك الفاروق، الذي أعز الله به الإسلام، والذي نزل القرآن موافقًا لرأيه في كثير من الأمور، الذي قال عنه النبي ﷺ إن الشيطان يهابه، ، يطلب من راعي إبل مجهول أن يدعو له، فقط لأن هذا الراعي كان يغسل قدم أمه كل صباح!
…. ماذا ترك لنا أويس؟
أويس بن عامر لم يترك لنا خطبًا رنانة، لكنه ترك لنا “أسلوب حياة” نحتاجه بشدة اليوم:
أنت لست منسيًا : يامن تجلس الآن لخدمة والد مريض، أو تربية طفل، وتظن أن قطار الحياة يمر وأنت محبوس في بيتك.. تذكر أويس ؛ البيوت المغلقة التي تُمارس فيها عبادة البر، تهتز لها أبواب السماء.
… واعلم أن الشهرة فخ.. والستر غنيمة: فبعد أن عرف الناس سر أويس، لم يفتح “سرادقًا ” للمريدين، بل هرب واختفى في الكوفة وعاش عاملًا بسيطًا حتى مات شهيدًا. كان يحب أن يكون مجهولًا في الأرض، مادام معروفًا عند رب السماوات.
إنها قصة تُطبطب على قلوب البسطاء، وتخبرنا أن ميزان الله لا يقاس بالمظاهر، بل بصدق الخبايا وحسن النوايا.
فياليت لنا نصيبًا من تقوى أويس وورعه.



