بينما تُفتح أبواب التفاوض في العواصم، وتُرسم الخرائط فوق الطاولات الباردة، يقف الجنوب اللبناني وحيدًا تحت النار، كأنّه خارج الحسابات، أو كأنّ وجعه تفصيلٌ صغير في نشرة الأخبار لا أكثر.
إيران تفاوض الولايات المتحدة.
الدولة اللبنانية تفاوض إسرائيل.
العالم كلّه يتحدّث عن التهدئة، وعن منع توسّع الحرب، وعن حماية الاستقرار في المنطقة…
لكن أحدًا لا يسأل الجنوب ماذا بقي منه أصلًا كي يهدأ.
هناك، في القرى المعلّقة بين الدخان والحدود، لا يسمع الناس لغة السياسة، بل لغة الصواريخ.
لا تصلهم بيانات المؤتمرات، بل تصلهم أسماء الشهداء.
وكلّما تحدّث السياسيون عن “الاستقرار”، كان الجنوب يغرق أكثر في الخراب.
الأهالي اليوم لا يشعرون فقط بالخوف… بل يشعرون بأنّهم متروكون.
كأنّ الجميع اتّفق ضمنًا على أمرٍ غير معلن:
افعلوا ما تشاؤون في الجنوب، المهم ألّا تقترب النار من المدن الكبرى.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية.
فالجنوب ليس ساحةً إضافية تُستخدم لتخفيف الضغط عن الآخرين، وليس منطقة يمكن التضحية بها مؤقتًا إلى حين نضوج التسويات.
الجنوب ناسٌ يشبهون هذه البلاد أكثر من أي خطاب.
فقراء، بسطاء، يزرعون أرضهم، ويعلّقون صور أحبّتهم على الجدران المهدّمة، ثم يحاولون رغم كل شيء أن يُكملوا الحياة.
لكن أيّ حياة تُترك لإنسان يرى قريته تُمحى بينما العالم منشغل بلغة المصالح؟
لقد تحوّل الجنوب إلى اختبارٍ قاسٍ لضمير الجميع.
اختبار للدولة التي يُفترض أن تحمي أبناءها لا أن تتركهم وحدهم على خطّ النار.
واختبار للعالم الذي يتحدّث طويلًا عن حقوق الإنسان ثم يصمت أمام المجازر والدمار والتهجير.
والمؤلم أكثر، أنّ أهل الجنوب لا يطلبون المستحيل.
لا يطلبون رفاهيةً ولا وعودًا سياسية كبيرة.
كلّ ما يريدونه ألّا يشعروا أنّهم شعبٌ فائض عن الحاجة في وطنهم.
فالبيوت التي تهدّمت هناك ليست أرقامًا.
والشهداء ليسوا تفصيلًا جانبيًا في مفاوضات الدول.
وكلّ طفل ينام على صوت الغارات، يكبر وفي داخله سؤال مرعب:
هل نحن حقًا جزء من هذا الوطن… أم مجرّد منطقة مؤجّلة إلى حين انتهاء الصفقات؟