قلب أمي بقلم: نور شاكر كانت المدينة تغطّ في ظلمة موحشة، والسكون يسود الأزقة الضيقة إلا من صوت الرياح تعوي كالذئاب الجائعة. الوقت قد تجاوز منتصف الليل، والجو عاصف، يحمل في طياته وعودًا بمطر وشيك. لا أعلم ما الذي أخرجني من منزلي الدافئ في مثل هذا الوقت القارس، ولا كيف انتهى بي المطاف أتجوّل وحدي في الطرقات. لدي سقف يحميني، ووسادة تنتظر رأسي، لكن ثمة فراغ داخلي لا يملؤه دفء ولا جدران، فراغ يجعل الهواء أثقل والصمت أكثر وحشة.
أدخلت يدي في جيب معطفي، علّني أستجمع ما بقي من دفء، حين وقعت عيناي على شيء يتحرك في البعيد، ظلّ صغير يمشي متثاقلاً، بالكاد توازنه خطواته. اقتربت أكثر… كان طفلًا لا يتجاوز السابعة من عمره، ملامحه شاحبة، ووجهه شبيه بورقة أذابها البرد. استغربت وجوده، فاقتربت منه بهدوء، لكنه تراجع خطوات للخلف وقد ارتسم الخوف في عينيه.
همست له بحنان: – لا تخف يا صغيري، ما الذي تفعله هنا في هذا الوقت المتأخر؟
أخفض رأسه، وسقطت دمعة باردة على وجنته، ثم تمتم بصوت خافت: – ليس لدي مكان أذهب إليه…
تجمد لساني لحظة. كيف لطفل أن يكون دون مأوى؟ أين أهله؟ ملجأ الأيتام؟ أسئلة كثيرة ارتسمت في ذهني. نظرت إليه، كان يحتضن جسده بكفيه الصغيرين كمن يحاول الاحتماء من برد العالم وقسوته.
سألته برقة: – وأين كنت تسكن من قبل؟
رفع وجهه، وكان محمر الخدين من شدة البرد، عيناه الزجاجيتان تشيان بحكاية موجعة. قلت له: – تعال معي إلى منزلي، الجو بارد جدًا ولن تستطيع البقاء هنا.
هزّ رأسه بخوف: – لكنني خائف… لا أعرفك.
ابتسمت مطمئنًا: – لا تقلق، لن أؤذيك. منزلي قريب ودافئ، وهناك ستشعر بالأمان. فقط تعال وحدثني عنك.
وفي تلك اللحظة، رنّ هاتفي. كانت أمي. أجبتها: – نعم، يا أمي؟ – أين أنت؟ لقد تأخرت، وقلبي يحترق قلقًا عليك! – لا تخافي، يا أمي. أنا قادم، فقط تأخرت قليلاً.
هذه كانت المرة الأولى التي أتأخر بها عن المنزل، ولم يكن من المستغرب أن تكون أمي قلقة، فهي صاحبة القلب الأحنّ والأكثر دفئًا. نظرت إلى الطفل، وتساءلت في سري: لو كانت أمه على قيد الحياة، هل كان سيعرف هذه الوحدة؟
حين وصلنا إلى المنزل، اتسعت عيناه دهشة وارتياحًا. نظر إليّ، وفي عينيه نظرة رجاء ممزوجة بالأمل: – أرجوك، عمي… دعني أبقى معك. لن أسرق منك، أعدك.
انكسر قلبي لكلامه. قلت بلطف: – لا تخف، ستبقى هنا بأمان، وسنعتني بك كما لو كنت منّا.
دخلت المنزل، فاستقبلتنا أمي بتعجّب: – من هذا الطفل يا بني؟
جلست على الأريكة وأشرت للطفل بالاقتراب، ثم فتحت ذراعي كمن يقدم الأمان لاطفاله. تقدم الطفل ببطء وهو ينظر إلى أركان المنزل وكأنها كنوز لم ير مثلها من قبل. قلت له مشجعًا: – هيا، اجلس بقربي وقل لي ما الذي حدث لك.
تردّد قليلًا وقال بخجل: – لكن ملابسي متسخة…
ابتسمت: – لا بأس، ما يهمني هو ما تحمله في قلبك، لا ما ترتديه.
جلس بقربي، وبصوت خافت حكى قصته: – كنت أعيش مع أمي وأبي، لكنهما توفيا. بعد رحيلهما، تولى عمي رعايتي، ولكن زوجته كانت تكرهني. كانت تملأ قلوب أولادها بالكراهية تجاهي، تخبرهم أنني سأسرق حب أبيهم وميراثهم. كنت أسمعها وهي تخطط لطردي… بل للتخلص مني. كنت خائفًا، فهربت.
تابع، وعيناه تتلألآن بالدموع: – عملت في فرن، أساعد في حمل أكياس الطحين. رغم صغر سني، كنت نشيطًا وسعيدًا بعملي. أول مرة قبضت فيها أجري شعرت أنني أملك العالم! لكن تلك السعادة لم تدم. علم ابن عمي بمكاني، وذهب لصاحب الفرن، واتهمني زورًا بالسرقة. وجدوا مالًا في محفظتي، ولم يصدق أحد براءتي. طُردت، وأصبحت بلا عمل ولا مأوى. بقيت في الشوارع أربعة أيام حتى التقيت بك.
انتهى من حديثه، وانفجر باكيًا وهو يقول: – أمي كانت تحبني، كانت تقول لي إنني هديتها من السماء…
لم تتمالك أمي نفسها، عانقته، وهي تهمس بحنان: – لا تخف، يا صغيري. أنا أمك من الآن، وأنت حمزة، ابني الذي لم ألده. لن تبيت في الشارع بعد اليوم.
ابتسم الطفل، وربّت على كتفها كأنما وجد ما كان يبحث عنه طوال حياته.
نظرت إليه وأنا أردد في داخلي: حقًا… كل ما ينقص هذا العالم هو شيء من الرحمة. فحين تضيق الدنيا، لا تجد صدرًا أوسع من صدر الأم، ولا حضنًا أكثر دفئًا من قلبها.
سلامٌ على قلبك يا أمي، يا وطنًا لا يشيخ، ويا حبًا لا يُشبهه شيء… سلامٌ على كل أم تُعطي بلا حدود، فحقًا… لا شيء يُشبه قلب الأم.