حِينَ جَلَسَ الوَجَعُ فِي مَكَانِي لَا أَعْرِفُ فِي أَيِّ لَحْظَةٍ فَقَدْتُ يَقِينِي بِأَنَّنِي وَحْدِي. كُنْتُ أَجْلِسُ فِي صَمْتِي كَمَنْ يَجْلِسُ دَاخِلَ بِئْرٍ لَا مَاءَ فِيهِ، وَيُصْغِي إِلَى ارْتِدَادِ نَفْسِهِ. وَكَانَ كُلُّ شَيْءٍ سَاكِنًا عَلَى نَحْوٍ مُرِيب… السُّكُونُ الَّذِي لَا يُشْبِهُ الطُّمَأْنِينَةَ، بَلْ يُشْبِهُ غُرْفَةً تُرَتَّبُ لِشَيْءٍ لَا يُقَالُ. ثُمَّ شَعَرْتُ أَنَّ فِي دَاخِلِي حَرَكَةً. لَا… لَيْسَ فِي دَاخِلِي. بَلْ أَمَامِي. كَأَنَّ الوَجَعَ قَرَّرَ أَخِيرًا أَنْ يَخْرُجَ مِنْ مَوْضِعِهِ القَدِيمِ فِي صَدْرِي وَيَجْلِسَ قُبَالَتِي. لَمْ يَأْتِ بِصُورَةِ عَدُوٍّ، وَلَا بِمَلَامِحِ كَارِثَةٍ. جَاءَ بِهُدُوءِ الحُكَمَاءِ… وَهَذَا مَا أَخَافَنِي. جَلَسَ، وَوَضَعَ المَسَافَةَ بَيْنَنَا كَأَنَّهَا طَاوِلَةُ مُفَاوَضَاتٍ. الْتَفَتَ إِلَى عَقْلِي أَوَّلًا. فَرَأَيْتُ عَقْلِي لِلْمَرَّةِ الأُولَى لَا يُجَادِلُ، بَلْ يُبَرِّرُ. كَأَنَّهُ مُوَظَّفٌ مُرْهَقٌ يَشْرَحُ لِلْخَرَابِ أَسْبَابَ تَأَخُّرِهِ. ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى قَلْبِي. وَيَا لِلْمَشْهَدِ… لَمْ أَرَ قَلْبِي يَوْمًا بِهَذِهِ الطَّاعَةِ. كَانَ يَبْدُو كَبَيْتٍ قَدِيمٍ فَتَحَ نَوَافِذَهُ لِلْعَاصِفَةِ لِأَنَّهُ تَعِبَ مِنْ تَرْمِيمِ الزُّجَاجِ. وَفَهِمْتُ فَجْأَةً أَنَّ الأَمْرَ لَمْ يَكُنْ خُصُومَةً بَيْنَ العَقْلِ وَالقَلْبِ كَمَا كُنْتُ أَظُنُّ. كَانَ الوَجَعُ أَذْكَى مِنْ أَنْ يُحَارِبَ أَحَدًا. كَانَ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا… وَيُتَرْجِمُ. يَأْخُذُ خَوْفَ العَقْلِ وَيُعْطِيهِ لِلْقَلْبِ عَلَى هَيْئَةِ حَنِينٍ، وَيَأْخُذُ ضَعْفَ القَلْبِ وَيُعِيدُهُ إِلَى العَقْلِ عَلَى هَيْئَةِ حِكْمَةٍ. حَتَّى لَمْ يَعُدْ أَحَدٌ مِنْهُمَا يَعْرِفُ: هَلْ مَا يَشْعُرُ بِهِ حَقِيقَةٌ… أَمْ صِيَاغَةٌ أَنِيقَةٌ لِلِانْهِيارِ؟ أَرَدْتُ أَنْ أَصْرُخَ فِيهِ: مَنْ أَنْتَ؟ لَكِنَّ السُّؤَالَ انْكَسَرَ دَاخِلِي قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ. لِأَنِّي رَأَيْتُ شَيْئًا مُرْعِبًا… أَنَّ وَجْهَهُ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا. كَانَ يُشْبِهُنِي أَكْثَرَ كُلَّمَا أَطَلْتُ النَّظَرَ. عِنْدَ هَذِهِ النُّقْطَةِ لَمْ يَعُدْ فِي دَاخِلِي مَا يَكْفِي مِنَ الفَوْضَى لِأَفْهَمَ الفَوْضَى. صَارَ كُلُّ شَيْءٍ هَادِئًا بِشَكْلٍ يُخِيفُ أَكْثَرَ مِنَ الِانْهِيارِ. العَقْلُ لَمْ يَعُدْ يَتَكَلَّمُ. لَيْسَ لِأَنَّهُ اقْتَنَعَ… بَلْ لِأَنَّهُ اسْتَنْفَدَ صَوْتَهُ. وَالقَلْبُ… لَمْ يَعُدْ يَنْبِضُ كَمَعْنًى، بَلْ كَأَثَرٍ مُتَأَخِّرٍ لِشَيْءٍ انْتَهَى وَلَمْ يُعْلِنْ انْتِهَاءَهُ. فِي اللَّحْظَةِ الأَخِيرَةِ، لَمْ أَعُدْ أَرَاهُ. وَلَا أَرَى نَفْسِي أَيْضًا كَمَا كُنْتُ. كُلُّ مَا بَقِي… هُوَ شَخْصٌ لَا يَعْرِفُ إِنْ كَانَ خَرَجَ مِنَ المَعْرَكَةِ، أَمْ أَنَّهُ تَحَوَّلَ إِلَى شَكْلِهَا النِّهَائِيِّ.