حين يبدلني العمر لا أَحَدَ يَنْتَبِهُ أَنَّهُ يَمُوتُ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ. لِأَنَّ الْمَوْتَ الْحَقِيقِيَّ لَيْسَ أَنْ يَتَوَقَّفَ الْقَلْبُ، الْمَوْتُ الْحَقِيقِيُّ أَنْ يَتَوَقَّفَ شَيْءٌ فِيكَ عَنِ الْعَوْدَةِ. لِهَذَا لا أَفْهَمُ كَيْفَ يَحْتَفِلُ النَّاسُ بِأَعْيَادِ الْمِيلَادِ. كَيْفَ يَضَعُونَ الشُّمُوعَ فَوْقَ قَالِبِ الْحَلْوَى كَأَنَّ السَّنَوَاتِ إِضَافَاتٌ… مَعَ أَنَّ كُلَّ سَنَةٍ فِي الْحَقِيقَةِ أَخَذَتْ مَعَهَا أَحَدًا مِنَّا وَرَحَلَتْ. أَنَا لا أَبْلُغُ عُمْرًا جَدِيدًا. أَنَا أَفْقِدُ عُمْرًا قَدِيمًا. وَفِي دَاخِلِي… طَبَقَاتٌ مِنْ بَشَرٍ عَاشُوا بِاسْمِي ثُمَّ اخْتَفَوْا. هُنَاكَ طِفْلٌ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْأَيَّامَ طَوِيلَةٌ كَالْبَحْرِ، وَكَانَ يَدْخُلُ إِلَى النَّهَارِ كَمَا يَدْخُلُ إِلَى غَابَةٍ لَا آخِرَ لَهَا. هَذَا الطِّفْلُ مَاتَ. لَكِنْ لَيْسَ دُفْعَةً وَاحِدَةً. مَاتَ بِالتَّقْسِيطِ. مَرَّةً حِينَ صَارَ يَنْظُرُ إِلَى السَّاعَةِ بَدَلَ السَّمَاءِ. وَمَرَّةً حِينَ عَرَفَ أَنَّ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ لَا تَأْتِي لِأَنَّكَ تَمَنَّيْتَهَا. وَمَرَّةً حِينَ صَارَ يَزِنُ كَلِمَاتِهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ يَرْمِيهَا كَالْعَصَافِيرِ. إِلَى أَنْ اخْتَفَى… وَلَمْ يَتْرُكْ خَلْفَهُ إِلَّا صُوَرًا نَضْحَكُ لَهَا وَنَقُولُ: «شُو كِنَّا صْغَار». كَأَنَّ الصِّغَرَ خَطَأٌ تَمَّ تَصْحِيحُهُ. ثُمَّ جَاءَتْ نُسَخٌ أُخْرَى. نُسْخَةٌ كَانَتْ تُصَدِّقُ بِسُرْعَةٍ. وَنُسْخَةٌ كَانَتْ تَنْدَهِشُ كَثِيرًا. وَنُسْخَةٌ كَانَتْ تَمْشِي إِلَى الْغَدِ وَكَأَنَّهُ مَوْعِدٌ مَعَ مُعْجِزَةٍ. كُلُّهُمْ رَحَلُوا. وَأَظُنُّ أَنَّ أَكْثَرَ مَا يُرْعِبُنِي فِي الْعُمْرِ… أَنَّهُ لَا يَقْتُلُنَا دُفْعَةً وَاحِدَةً كَيْ نَنْتَبِهَ. لَا. هُوَ يَخْتَارُ طَرِيقَةً أَكْثَرَ أَنَاقَةً. يَأْخُذُ مِنَّا الْأَشْيَاءَ الَّتِي كُنَّا نَظُنُّ أَنَّهَا نَحْنُ، ثُمَّ يَتْرُكُنَا أَحْيَاءً بِمَا يَكْفِي لِنَشْهَدَ اخْتِفَاءَهَا. يَسْحَبُ صَوْتًا مِنَ الضَّحْكَةِ. يُطْفِئُ نَافِذَةً فِي الرُّوحِ. يُخَفِّفُ لَمَعَانَ الْأَسْمَاءِ. وَيُعِيدُ تَرْتِيبَ الْقَلْبِ حَتَّى يَصِيرَ قَادِرًا عَلَى النَّجَاةِ… وَغَيْرَ قَادِرٍ عَلَى الدَّهْشَةِ. … وَرُبَّمَا لِهَذَا… لَا أَشْعُرُ أَنَّ الْعُمْرَ يَمْضِي. أَشْعُرُ أَنَّهُ يَقِفُ خَلْفِي بِصَبْرٍ شَدِيدٍ… وَيَعُدُّنِي. لَا سَنَةً بَعْدَ سَنَةٍ. بَلْ أَنَا… نُسْخَةً بَعْدَ نُسْخَةٍ.