المقالات والسياسه والادب

رؤيا مهندسة زراعية

رؤيا مهندسة زراعية

قصة قصيرة بقلم: نور شاكر 

 

كان المساء هادئًا على غير عادته في تلك الليلة الخريفية كانت النسمات الباردة تداعب ستائر غرفتي، والسكينة تلف الأرجاء لدرجة جعلت لصوت عقارب الساعة إيقاعًا رتيبًا يبعث على النعاس وفجأة، انشق سكون الغرفة لم يكن صوتًا، بل شعورًا مفاجئًا باختلاف الهواء حولي، وكأن بُعدًا آخر قد تداخل مع عالمي.

التفتُ، فإذا بكيانٍ غريب يتبلور من عتمة الزاوية تراجع قلبي خطوة إلى الوراء

 كان قصير القامة، لا يتجاوز طوله طاولة القراءة، بملامح هجينة تجمع بين تفاصيل بشرية دقيقة وأخرى حيوانية برية

 كانت بشرته تشبه لحاء الشجر القديم، وعيناه واسعتان كعيون بومةٍ حكيمة، تشعان ببريق ذهبي خافت في اللحظة الأولى، تملكتني رهبة جمدت الدماء في عروقي، وجعلت أنفاسي تضيق، وهيئته الغريبة توحي بخوفٍ غامض

 ولكن، حين تلاقت أعيننا، تبدد ذلك الرعب لم تكن نظراته تحمل ذرة من الشر، بل كانت فياضة بعمقٍ هادئ ورجاءٍ صامت، وكأنها إشارة خفية تدعوني إلى اتباعه دون خوف

تحرك الكائن بخطوات بطيئة والتفت إلي يهز برأسه 

وجدت نفسي، بدافع فضولٍ أقوى من الخوف، أسير خلفه بصمت عبرنا ممرًا لم أعهده في منزلي من قبل، بدا وكأنه نفق من الضوء والظلال المتداخلة، حتى انقشعت العتمة فجأة عن مشهدٍ يحبس الأنفاس

 

وجدنا أنفسنا نلج بوابة حديقة واسعة حديقة لا تشبه أي مكان رأيته في حياتي، حديقة تنبض بالحياة في كل زاوية منها

 الأشجار كانت باسقة، ترتفع لتطاول عنان سماءٍ مطرزة بنجوم لؤلؤية، وتتحرك أغصانها كأيدي عازفين يعزفون لحنًا صامتًا

 الزهور تتفتح بألوان لم أكن أعلم لها اسمًا، تتمايل مع النسيم العليل وترسل عطرًا يمتزج برائحة الأرض المبتلة بالمطر

التناسق كانت صفوف النباتات تمتد في هندسة ربانية عجيبة، تناسق يبعث على السكينة المطلقة ويهدئ الروح الصاخبة

في تلك اللحظة، غمرني شعور جارف بالألفة شعرت وكأنني أعرف هذا المكان منذ زمن بعيد، وكأن جذوري أنا الأخرى ممتدة في هذه التربة الخصبة 

وقفت أتأمل الزرع، وفي تلك اللحظة، حدث تحول غريب في داخلي تلاشت حيرتي، وحلت مكانها معرفة فطرية عميقة أدركت، بكل جوارحي، أنني مهندسة زراعية

لم أعد مجرد عابرة سبيل مذهولة، بل صرت أنظر إلى كل شجرة وكل نبتة بعين الخبيرة الفاحصة اقتربت من شجرة عتيقة، مررت يدي على أوراقها، فأدركت فورًا معدل رطوبتها وحاجتها من الغذاء لاحظت تفاصيل دقتها وصحتها، وعرفت سر تمازج ألوان الزهور وكيفية توزيع الضوء بين الشجيرات

 

شعرت بفخر غريب يسري في عروقي وأنا أتجول بينها كملكة عائدة إلى مملكتها كان المكان يزداد جمالًا وبهاءً كلما تقدمت فيه، وكأن النباتات ترحب بمعرفتي وتستجيب للمسة يدي، حتى امتلأ قلبي بالإعجاب والرضا والطمأنينة الكاملة

 

التفتُ أخيرًا إلى ذلك الكائن العجيب الذي قادني إلى هنا في هذه المرة، لم أره بالعيون التي رأيته بها في المرة الأولى لم يعد مظهره المخيف يثير في نفسي أي قلق أو ريبة بل على العكس، بدا لي كأنه دليل صامت، حارس أمين لبوابة الوعي، قادني برفق إلى هذا الفردوس الأخضر لأكتشف حقيقة نفسي

وقف هناك عند حافة الظل يراقبني بابتسامة خفية دافئة ارتسمت على ملامحه الغريبة لم ينطق بكلمة، لكن عيناه الذهبيتين قالتا كل شيء كانت نظراته تعلن أن مهمته قد انتهت بنجاح، بمجرد أن رآني أقف بثبات، وأجد مكاني الحقيقي وشغفي المدفون بين تفاصيل الحياة والخضرة وبلطفٍ يشبه اختفاء الضباب، بدأ يتلاشى، تاركًا إياي وسط مملكتي الخضراء الجديدة.

مقالات ذات صلة