كان يا ما كان… في أيام مملكة مصر، ثم في بدايات الجمهورية العربية المتحدة…
كان أهل القاهرة والمدن الكبرى ينتظرون فصل الصيف بشوق، ليشدوا الرحال إلى الريف؛ حيث السكينة التي تريح الأعصاب، والأشجار الوارفة التي تظلل الطرق، والحقول الخضراء الممتدة، وكرم أهل الريف وبساطتهم.
كان الهواء نقيًا، تشبعه رائحة الزرع، وتمنحه الأشجار حياةً وأكسجينًا نقيًا. لم تكن هناك عوادم سيارات تخنق الأنفاس، ولا ضوضاء تفسد هدوء المكان. وكان الصوت الوحيد الذي يطرب الأذن هو خرير الساقية، وزقزقة العصافير، وأصوات الماشية والدواجن التي تنبض بالحياة.
أما اليوم… فقد تبدلت الأحوال.
قُطعت الأشجار، وتراجعت المساحات الخضراء، وحلت الآلات محل كثير من الحيوانات، فانتشرت العوادم والضجيج. وغزا “التوك توك” العزب والقرى والنجوع، حتى أصبح وسيلة العمل الأولى لكثير من الشباب، فترك بعضهم حرفًا ومهنًا كانت مصدر فخر ورزق كريم.
كما تضاعف انتشار الدراجات النارية، حتى باتت في متناول الكبار والصغار، وكثيرًا ما تُقاد برعونة واستهتار، فتحصد أرواح شباب في عمر الزهور، وتخلف وراءها مآسي لا تنتهي.
وكان لكل فئة في المجتمع مظهرها الذي يميزها؛ فالفلاح له زيه المعروف، والصنايعي له هيئته، والموظف والمتعلم لهما مظهرهما. لم يكن ذلك تمييزًا بين الناس، بل كان يعكس طبيعة المهنة والهوية الاجتماعية. أما اليوم فقد تشابهت المظاهر، وأصبح من الصعب أن تميز بين المهن المختلفة من خلال الهيئة أو الملبس.
إنها كلمات يملؤها الحنين إلى زمن مضى، بكل ما حمله من بساطة وهدوء وجمال. وليس المقصود أن الماضي كان كاملًا أو أن الحاضر يخلو من الإيجابيات، وإنما هي دعوة للحفاظ على ما تبقى من قيم الريف الأصيلة، واحترام المهن، والاهتمام بالتشجير، والحد من الضوضاء، حتى تستعيد قرانا شيئًا من رونقها الذي عُرفت به.
رحم الله أيامًا جميلة عشناها، ونسأل الله أن يحفظ مصر وأهلها، وأن يعيد إلى ربوعها الجمال والنظام والسكينة.