حين يتهجى الليل النور

حين يتهجى الليل النور
بقلم… هدى عبده
همس المساء، وكان الليل مُنكسرا
فاستيقظ النور في أعماقه سحرا
ومرّ طيف المعاني في مشارفنا
فأورق الصمت، واستعلى به الشجرا
كأن في الليل سرّا لا يبوح به
إلا لروح رأت في العتمة القمرا
وكان وجه الجمال حين يحضر في
محراب قلب تهاوى عنده الكبرا
يا من إذا مرّ طيف الضوء في خُطواته
ألقى على درب هذا الكون مُزدهرا
في كل حرف من المعنى لها لغةٌ
تُعيد ترتيب ما قد شُوه وانكسرا
وفي عيون التأمل ألف نافذة
تفضي إلى سرّ كون أودع السيرا
ما الحب؟ ليس انحناء القلب في ولهٍ
لكنه أن يرى الإنسان ما استترا
أن يستعيد من الأيام أغنية
وأن يرى في رماد الأمس مُدخرا
وأن يصير الجمال الخالص قبلة من
يمضي، فيترك خلف الروح ما عَطرا
والليل ليس غياب الشمس في أفقٍ
لكنه رحلة الأرواح إن فكّرا
فكم نجومٍ وُلدن الآن من حُرقٍ
وكم ظلام غدا في آخر الأمرِ ذرا
وكم فؤاد ظنّ الحزن خاتمته
فجاءه الفجر من حيث استحال يُرى
وكم طريقٍ بدا للروح مُغلقهُ
فانشقّ من بين جدران الأسى ممرا
إن الجمال الذي يبقى على مهلٍ
ليس الذي يملأ الأبصار والصورا
لكنّه ذلك النور الذي سكنت
آثاره في ضمير المرء إن عبرا
يبقى من المرء ما أعطى، وما زرعت
كفاه في الأرض من إحسانه ثمرا
ويبقى من صوته معنى إذا انطفأت
أيامه، ظل في الأرواح مُدخرا
فيا لليلٍ تعلمنا بصيرتهُ
أن البدايات قد تأتي من العتما
وأن أصدق ما في الروح أغنيةٌ
تأتي بلا صوتها، وتستقرّ في المدى
وأن من عرف النور الذي سكنت
فيه الحقيقة، لم يخش الأسى أبدا
فامض، وخذ من صفاء الليل حكمتهُ:
ما كلّ ما غاب عن عين الفتى اندثرا
فربّ نجمٍ توارى خلف غيمته
ليستعيد من الآفاق مُنتظرا
وربّ قلب أضناه المسير، وما
درى بأن انكسار الروح قد صقلا
حتى إذا لاح فجر الصدق مبتسمًا
أبصرت أن الذي أوجعت قد صنعا
فالحب إن كان نورًا لا يبدده
ريح الزمان، سيبقى في المدى أثرا
والروح إن عرفت من أين موطنها
لا تستبدل نور الله بالعرض
وفي ختام حكايا الليل أغنيةٌ
تقول: من أخلص الأرواح قد أزهرا
وأنّ أجمل همس الليل في أفق
هو اليقين إذا في القلب قد حضرا.
د. هدى عبده ✒️



