المقالات والسياسه والادب

من أمام مكتبة الإسكندرية

من أمام مكتبة الإسكندرية

بقلم: محمود جاب الله 

أقف الآن أمام مكتبة الإسكندرية، وهذا المبنى الدائري المائل نحو السماء كأنه قرص شمس انزلق من البحر واستقر على الأرض. الزجاج يعكس زرقة الماء وزرقة الغيم، والموج يضرب الصخور خلفها بإيقاع ثابت كأنه يذكّرنا أن المدينة هنا منذ آلاف السنين وأنها لن تنسى.

 

المكتبة ليست حجارة وزجاج فقط. هي امتداد لروح مكان كان اسمه منارة. منارة للعلم ومنارة للسفن. من هنا خرجت كتب غيرت عقول، وهنا الآن يدخل شاب يحمل كراسة قديمة وفتاة تبحث عن مرجع لمشروع التخرج وأسرة تتصور أمام البوابة الكبيرة كأنها تقول لأبنائها: هذا هو بيت المعرفة.

 

الغريب أنك بمجرد أن تقترب تشعر بالهدوء. خارجها ضجيج الكورنيش وسيارات وأصوات باعة، وداخلها صمت يليق بالقراءة. صمت يجعلك تسمع أفكارك بوضوح. في قاعاتها يجلس من لا يعرف بعضهم بعضا لكنهم متفقون على شيء واحد: أن للكتاب قيمة، وأن السؤال أهم من الإجابة الجاهزة.

 

الإسكندرية مدينة تربط الماضي بالحاضر بلا فاصل. تحت مياهها مدينة غارقة، وفوق أرضها مكتبة تحاول أن تنقذ ما يمكن إنقاذه من النسيان. أمام هذا المبنى تدرك أن الأمم لا تقاس بعدد أبراجها بل بعدد مكتباتها، وبعدد المرات التي يختار فيها الإنسان أن يجلس ويقرأ بدلا من أن يمر مسرعا.

 

أغادر المكان ولا أغادره. أخذت معي صورة في الذاكرة: الضوء على الواجهة الزجاجية وقت الغروب، وظل الناس الصغير وهم يدخلون. وأخذت معي سؤالا بسيطا: كم حلم بدأ من هنا؟ كم طريق تغير بسبب كتاب التقطه صاحبه صدفة من رف؟

 

مكتبة الإسكندرية تقف كشاهدة. تقول لنا بهدوء إن المعرفة لا تموت، وأن البحر قد يأخذ مدنا، ولكن

الكلمة تبقى.

مقالات ذات صلة