المقالات والسياسه والادب

المدينة التي لا يزورها أحد

الكاتبة إيمان نجار

المدينة التي لا يزورها أحد
‏لم يكن أحدٌ يعلمُ أنَّ في داخلهِ مدينة…
‏مدينةٌ لا تظهرُ على الخرائط، ولا تُضاءُ شوارعُها في الليل، ولا يسمعُ أحدٌ صوتَ الانفجاراتِ التي تحدثُ فيها.
‏كانوا يرونهُ يبتسم، ولم يعرفوا أنَّ بعضَ الابتساماتِ ليست فرحًا…
‏بل نوافذَ صغيرةً يُخفي الإنسانُ خلفَها حريقَهُ، كي لا يخيفَ الآخرين.
‏في داخلهِ كانت هناكَ حربٌ بلا جنود، ومعاركُ بلا أصوات، وأشياءُ كثيرةٌ كانت تموتُ كلَّ يوم…
‏دون أن يُعلنَ أحدٌ عنها الحداد.
‏كان يُرمِّمُ جدرانَهُ في الليل، ثمَّ يخرجُ في الصباح كأنَّهُ لم يفقد جزءًا من نفسهِ تحتَ الأنقاض.
‏لم يكن أقسى ما مرَّ بهِ أنَّ المدينةَ تهدَّمت…
‏بل أنَّ الذين مرّوا من أمامِها كانوا يظنّون أنَّ الأضواءَ المعلَّقةَ على أطرافِها دليلُ حياة.
‏لم يعرفوا أنَّ بعضَ المدنِ تُشعلُ مصابيحَها… فقط كي لا يرى أحدٌ ظلامَها.
‏كان يحملُ في صدرهِ شوارعَ مغلقة، أبوابًا فقدت مفاتيحَها، وغرفًا ما زالت تحتفظُ بأصواتِ الذين رحلوا.
‏ومع مرورِ الوقت…
‏تعلَّمَ أن يُخفي أصواتَ الخرابِ في داخله، كما تُخفي الجدرانُ القديمةُ شقوقَها خلفَ طبقةٍ جديدةٍ من الطلاء.
‏تعلَّمَ أن يقول: “أنا بخير”
‏بكلِّ هدوء…
‏حتى كادتِ الكلمةُ نفسها تنسى أنَّها كانت يومًا كذبة.
‏لم يكن يحتاجُ إلى من يُنقذهُ من العالم…
‏كان يحتاجُ فقط إلى شخصٍ واحد، يدخلُ تلكَ المدينةَ التي في صدرهِ، ولا يخافُ من شوارعِها المهجورة، ولا يسألُهُ لماذا تركَ بعضَ الأبوابِ مغلقة.
‏فبعضُ القلوبِ لا تحتاجُ إلى من يُصلحُها…
‏بل إلى من يجلسُ بجانبِ خرابِها، ويقولُ لها:
‏”أعرفُ كم حاولتَ أن تبقى.”
‏وفي آخرِ تلكَ المدينة…
‏غرفةٌ صغيرةٌ لا يفتحُها لأحد.
‏ليست لأنَّها تخفي أسرارَه…
‏بل لأنَّها تحتفظُ بالنسخةِ الأخيرةِ منه، قبلَ أن يتعلَّمَ كيفَ يكونُ قويًّا.
‏وفي النهاية…
‏لم تكن مأساتُهُ أنَّ المدينةَ احترقت.
‏فالنارُ مهما اشتعلت… تنطفئ.
‏مأساتُهُ الحقيقيَّةُ كانت أنَّهُ أصبحَ بارعًا جدًا في إعادةِ بنائها…
‏حتى نسيَ أنَّهُ كان يحتاجُ يومًا إلى أن يُنقَذ،
‏لا أن يُصفِّقَ الجميعُ لقدرتِه على النجاة.

مقالات ذات صلة