المقالات والسياسه والادب

إحنا بنكبر قبل الأوان كتبت/د/شيماء صبحي

إحنا أحيانًا مش بنكبر عشان السنين عدّت، ولا عشان الشعر شاب، ولا عشان المسؤوليات كترت… إحنا بنكبر قبل الأوان لما نقسو على بعض، ونحط فوق قسوة الحياة قسوة من عندنا.

الحياة لوحدها كفاية علينا… فيها فراق، وخذلان، وضغوط، ومسؤوليات، وأيام بنصحى فيها وإحنا مش عارفين هنكملها إزاي. فليه لما نتقابل، بدل ما نكون لبعض أمان، نبقى حمل زيادة على بعض؟
ليه كلمة حلوة بقت صعبة؟
ليه الاعتذار بقى تقليل من الكرامة؟
ليه الاحتواء بقى ضعف؟
وليه لما حد يحتاجنا بنفكر الأول: “هو عمل لي إيه؟” بدل ما نسأل نفسنا: “هو محتاجني في إيه؟”
إحنا محتاجين نفتكر إن الإنسان مش دايمًا بيحكي اللي جواه. فيه ناس بتضحك وهي من جوه منهكة، وناس بتقول “أنا كويس” وهي مستنية حد بس يصدق إنها مش كويسة.
الاهتمام مش معناه إنك تسأل كل شوية: إنت فين؟ عملت إيه؟ ومع مين؟
الاهتمام الحقيقي أعمق من كده.
إنك تفتكر شخص وانت مشغول.
إنك تقلق عليه من غير ما تخنقه.
إنك تشتاق له من غير ما تملكه.
إنك تكتب له كلمة حلوة لمجرد إنك حسيت إنه محتاج يسمعها.
إنك تلاحظ تغير صوته، حتى لو قال لك: “مفيش حاجة.”
الاهتمام الحقيقي مش مراقبة… الاهتمام أمان.
وفي زمن بقى فيه كل شيء سريع، بقينا محتاجين ناس تعرف تقعد معانا من غير استعجال، تسمعنا من غير ما تحكم علينا، وتفهم وجعنا من غير ما تستخدمه ضدنا بعدين.
وأحيانًا بنكتب وجعنا وإحنا عارفين إن الكتابة مش هتمحيه.
بس وجع مكتوب… أرحم من وجع مكتوم.
لأن الكلام اللي بيتحبس جوانا سنين، ممكن يتحول لغضب، أو قسوة، أو برود، أو انسحاب من الحياة نفسها.
اكتب… احكي… اتكلم مع شخص آمن… ابكي لو محتاج تبكي.
مش عيب إنك تتعب.
العيب إنك تفضل طول عمرك بتقول “أنا قوي”، لحد ما تنسى إن القوة الحقيقية مش إنك متتوجعش… القوة إنك تعرف تتعامل مع وجعك من غير ما تحوله لوجع في حياة غيرك.
وفيه ناس بتدخل حياتنا بالصدفة.
في الأول غرباء…
وبعدين أصحاب…
وبعدين أحاديث طويلة تمتد بالساعات…
وبعدين شخص بقى وجوده جزء من يومنا…
وبعدين نكتشف إننا بقينا بنحبه.
نتعود على صوته، على كلامه، على وجوده، على تفاصيله الصغيرة.
وبعدها أحيانًا يحصل اللي محدش كان متوقعه…
الكلام يقل.
الاهتمام يتغير.
المسافات تكبر.
والناس اللي كانت بتحكي لبعض كل حاجة، تبقى مش عارفة تقول لبعض “عامل إيه؟”
وتتحول الحكاية من علاقة مليانة تفاصيل… لقصة كل واحد فيهم عارف نهايتها كويس، بس لسه جواه جزء مش قادر يصدقها.
وده من أصعب أوجاع العلاقات…
إن الشخص مش لازم يموت عشان نفتقده.
ممكن يكون موجود… بس مش موجود في حياتنا زي الأول.
ومع ذلك، مش كل علاقة انتهت كانت فاشلة.
فيه ناس دخلت حياتنا عشان تعلمنا حاجة.
وفيه ناس علمتنا نحب.
وفيه ناس علمتنا نحط حدود.
وفيه ناس علمتنا إن الطيبة من غير حدود ممكن تتعبنا.
وفيه ناس علمتنا إن مش كل حد نرتاح له ينفع نكمل معاه.
وأحيانًا ربنا بيبعد عننا شخص كنا فاكرين إن حياتنا هتقف من غيره… وبعد فترة نكتشف إن اللي وقف فعلًا كان وجعنا.
عشان كده، متخليش فقدان شخص يخليك تفقد نفسك.
ولو ضحكت لك الحياة يوم…
متفتكرش الحزن قدامها.
سيبها تضحك.
سيب نفسك تفرح.
متقولش: “أكيد الفرحة دي وراها مصيبة.”
مش كل حاجة حلوة لازم نخاف منها.
أحيانًا إحنا من كتر اللي شوفناه، بنبقى خايفين نفرح.
وأول ما نحس بالراحة، نستنى الضربة.
بس الحياة مش كلها وجع.
زي ما الحزن مش بيدوم، الفرح كمان مش بيدوم… ودي مش دعوة للحزن، بالعكس، دي دعوة إننا نعيش اللحظة وهي موجودة.
لو عندك يوم حلو، عيشه.
لو قابلت شخص مريح، قدّره.
لو لقيت حد بيحبك بصدق، متختبرش حبه كل يوم.
لو حد اعتذر لك بصدق، متفضلش تعاقبه على غلطة اعتذر عنها.
ولو عندك شخص بيحاول يصلح العلاقة، ساعده بدل ما تفضل تفكره بكل مرة فشل فيها.
وفي نفس الوقت…
متديش شخص أكبر من حجمه فيتمرد عليك، ومتديش شخص أقل من قدره فيرحل.
الناس محتاجة تقدير، بس محتاجة حدود كمان.
الحب من غير حدود ممكن يتحول لتعلق مؤلم.
والحدود من غير حب ممكن تتحول لقسوة.
والصح إننا نعرف نحب من غير ما نلغي نفسنا، ونعطي من غير ما نستنزف، ونسامح من غير ما نسمح بتكرار الأذى.
خلي الناس في مكانها الطبيعي.
اللي بيحبك، قدّره.
واللي بيحترمك، احترمه.
واللي بيقف جنبك، متنساش وقفته.
واللي بيجرحك كل مرة، متفضلش تسمي وجعك “وفاء”.
مش كل بُعد قسوة.
ومش كل قرب حب.
ومش كل اعتذار ندم.
ومش كل سكوت رضا.
ومش كل ضحكة معناها إن صاحبها سعيد.
عشان كده… ارحموا بعض.
إحنا كلنا داخلين معارك محدش شايفها.
الراجل اللي ساكت ممكن يكون شايل فوق طاقته.
والست اللي بتضحك ممكن تكون بتقاوم وجع محدش يعرفه.
والشاب اللي بيهزر طول الوقت ممكن يكون بيهرب من أفكار بتتعبه.
والشخص اللي اختفى فجأة ممكن يكون محتاج حد يسأله بحب، مش حد يحكم عليه.
خليك الشخص اللي وجوده يخفف، مش يزود.
خليك كلمة حلوة في يوم حد صعب.
خليك أمان للي ائتمنك.
ولو مش قادر تساعد… على الأقل متوجعش.
ولو مش قادر تفضل… متوعدش.
ولو مش قادر تحب… متعلّقش قلب حد بيك.
إحنا مش محتاجين علاقات كتير.
إحنا محتاجين علاقات حقيقية.
ناس نقدر نكون قدامها على طبيعتنا، من غير تمثيل، من غير خوف، ومن غير ما نقعد طول الوقت نحسب كل كلمة.
وفي النهاية…
يمكن أجمل حاجة نتعلمها من الحياة إننا مش هنقدر نمنع الوجع، لكن نقدر نختار إزاي نتعامل معاه.
نقدر نطلع من التجربة أهدى بدل ما نطلع أشرس.
نقدر نتعلم من الخذلان بدل ما نتحول لخائنين.
نقدر نحط حدود بدل ما نقفل قلوبنا.
نقدر نحب تاني، بس بوعي أكبر.
ونقدر نصدق إن اللي راح كان جزء من الحكاية… مش نهاية الحكاية.
إحنا فعلًا بنكبر قبل الأوان لما نقسو على بعض.
فخلينا المرة دي نختار العكس…
نكون أحن.
نسمع أكتر.
نحكم أقل.
نعتذر لما نغلط.
نقدر اللي بيحبنا.
ونسيب اللي اختار الرحيل من غير ما نجرح كرامتنا وإحنا بنجري وراه.
يمكن الحياة قاسية…
بس على الأقل، خلينا منبقاش إحنا كمان قاسيين على بعض.
يمكن كلمة منك تنقذ قلب حد.
يمكن اهتمام بسيط يطمن شخص كان على وشك الانهيار.
ويمكن وجودك جنب إنسان في وقت ضعفه، يبقى من أجمل الذكريات اللي هيفتكرها طول عمره.

خليك رحيم… فكل واحد فينا عنده وجع مش بيحكيه.

مقالات ذات صلة