أثارت واقعة سرقة عقد الملكة نازلي، زوجة الملك فؤاد الأول ووالدة الملك فاروق، من متحف الفنون التطبيقية في العاصمة النمساوية فيينا اهتمامًا واسعًا من وسائل الإعلام العالمية، ليس فقط بسبب القيمة المادية الكبيرة للعقد، وإنما بسبب ما يُمثله من قيمة تاريخية وثقافية لارتباطه بمرحلة مهمة من تاريخ مصر الحديث وبالأسرة المالكة المصرية.
فالعقد المسروق ليس مجرد قطعة من المجوهرات الفاخرة، وإنما قطعة تحمل قصة تاريخية واضحة، فقد صممته دار المجوهرات الفرنسية الشهيرة Van Cleef & Arpels عام 1939م، بتكليف من الملكة نازلي، وارتدته في مناسبة زفاف ابنتها الأميرة فوزية إلى ولي عهد إيران آنذاك محمد رضا بهلوي، الذي أصبح لاحقًا شاه إيران.
والعقد مصنوع من البلاتين ومرصع بـ673 ماسة، ويبلغ الوزن الإجمالي للألماس أكثر من 200 قيراط، وهو ما يجعله من القطع الاستثنائية من الناحية الفنية والمادية.
ومن هنا تأتي أهمية العقد؛ فقيمته لا تُقاس فقط بعدد الماسات أو وزنها، وإنما أيضًا بالشخصية التاريخية التي ارتبط بها، والمناسبة التي ظهر فيها، والمرحلة التاريخية التي يمثلها.
وقد عاد العقد إلى الظهور في سوق المجوهرات العالمية عندما عُرض في مزاد Sotheby’s بنيويورك عام 2015م، وبيع مقابل نحو 4.3 مليون دولار. وتشير المصادر المتخصصة في تاريخ المجوهرات إلى أنه كان من أبرز قطع المزاد، وهو ما يعكس مكانته الاستثنائية في سوق المجوهرات التاريخية.
ثم انتقل العقد إلى دائرة العرض المتحفي، وشارك في معارض دولية، إلى أن كان معروضًا ضمن معرض مخصص لتصميمات Van Cleef & Arpels في متحف الفنون التطبيقية في فيينا.
وفي يوم الخميس 27 أغسطس 2026 وقعت الواقعة التي أعادت العقد إلى صدارة الأخبار العالمية. فقد دخل رجلان إلى المتحف باعتبارهما زائرين عاديين، وبعد نحو الساعة الثانية ظهرا توجها إلى فاترينة العرض، وقاما بتحطيم الزجاج باستخدام مطرقة، واستوليا على العقد ثم فرا من المكان. وقد تمكنت كاميرات المراقبة من تسجيل صور للمشتبه بهما، وأعلنت الشرطة النمساوية استمرار البحث عنهما.
والحادث في حد ذاته مؤسف، لكنه يفتح أمامنا باباً أوسع كثيراً من مجرد السؤال عن كيفية سرقة عقد ثمين من متحف أوروبي.
السؤال الأهم في رأيي هو: ماذا يحدث عندما تتحول قطعة مرتبطة بتاريخ دولة وشخصياتها التاريخية إلى مجرد قطعة قابلة للبيع والشراء في الأسواق العالمية؟.
وهنا أؤكد أنني لا أرى أنه من العلمي أو المهني أن نُجزم بكيفية خروج هذا العقد من مصر، أو أن نتهم جهة معينة أو شخصًا بعينه دون وثائق وسجلات تاريخية واضحة. فمسألة انتقال أي قطعة من مكان إلى آخر تحتاج إلى دراسة دقيقة لسلسلة الملكية، وسجلات البيع والشراء، ووثائق المزادات، وأي مستندات رسمية مرتبطة بها.
الأرجح أن الملكة نازلي سافرت لأمريكا قبيل اندلاع ثورة 23 يوليو 1952م، وبصحبتها مجوهراتها، وكانت ظروفها المادية في هذه الفترة صعبة جداً، وبناء عليه اضطرت أن تبيع معظم مجوهراتها في مزاد في نيويورك لسداد ديونها.
وقد اختفي بعدها العقد حتي ظهر في مزاد آخر سنة 2015م في نيويورك، واشترته نفس الدار التي صممته للملكة نازلي من المزاد بمبلغ 4.3 مليون دولار، بهدف إعادته للمجموعة التاريخية النادرة التي صمموها من قبل، ومن هذا الوقت أصبحت الدار تعرض هذا العقد ضمن مجموعة من القطع الهامة في معارض عالمية في بلاد مختلفة. وهذا تحديدا هو المدخل الصحيح للتعامل مع قضية التراث المصري الموجود خارج البلاد.
فنحن أمام تاريخ طويل ومتنوع لا يقتصر على الآثار المصرية القديمة وحدها، وإنما يشمل كذلك التراث اليوناني والروماني والقبطي والإسلامي، إضافة إلى مقتنيات وممتلكات مرتبطة بتاريخ مصر الحديث والأسرة العلوية.
ومن الخطأ اختزال قيمة هذه المقتنيات في قيمة مادتها الخام. لكن ارتباط هذه المواد بشخصية تاريخية أو حدث تاريخي يمنح القطعة قيمة أخرى لا يمكن حسابها بالمال وحده. فلو كانت لدينا قطعة مجوهرات عادية مصنوعة من نفس كمية الذهب والألماس، فإن قيمتها المادية قد تكون كبيرة، لكن قطعة ارتدتها ملكة مصرية في مناسبة تاريخية مهمة تصبح حاملة لذاكرة تاريخية مختلفة تماما. وهنا يظهر الفرق بين القيمة المادية والقيمة التاريخية والثقافية.
إن الحفاظ على التراث لا يعني فقط أن نحفظ الآثار داخل المخازن والمتاحف، وإنما يعني أيضا أن نعرف أين توجد مقتنياتنا التاريخية، وما تاريخ ملكيتها؟، وكيف خرجت من البلاد؟، ومن امتلكها عبر المراحل المختلفة؟، وأين ظهرت في المزادات أو المعارض الدولية؟.
ومن هنا أرى أن مصر في حاجة إلى مشروع أكثر شمولاً لحصر وتوثيق المقتنيات المصرية التاريخية الموجودة خارج البلاد، مع إنشاء قواعد بيانات رقمية متخصصة تضم الصور والبيانات والوصف التاريخي وسلسلة الملكية لكل قطعة يمكن توثيقها.
وهذا الأمر أصبح اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى؛ لأن الأسواق العالمية للمقتنيات التاريخية والفنية أصبحت شديدة النشاط، وأصبحت القطعة الواحدة يمكن أن تنتقل خلال سنوات قليلة بين مالك خاص، ودار مزادات، ومعرض، ومتحف في دولة أخرى. كما أن التعاون الدولي يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من أي استراتيجية لاستعادة التراث.
إن استعادة القطع التي يثبت خروجها بصورة غير مشروعة لا تتم فقط عبر المطالبة الإعلامية، وإنما تحتاج إلى ملفات قانونية وعلمية قوية، وتوثيق دقيق للقطعة، وإثبات ملكيتها أو ارتباطها بالتراث الوطني، ومتابعة المزادات والمعارض الدولية، والتعاون مع المتاحف وبيوت المزادات والجهات المختصة في الدول المختلفة.
وفي المقابل، فإن القطع التي خرجت في ظروف قانونية وموثقة تحتاج أيضاً إلى التعامل معها من خلال البحث العلمي والتفاوض والتعاون الثقافي، وربما من خلال الإعارة طويلة الأجل أو المعارض المشتركة أو إعادة الاقتناء متى كان ذلك ممكنا.
وأعتقد أن التكنولوجيا يمكن أن تلعب دوراً مهماً للغاية في هذا المجال. فالتوثيق الرقمي عالي الجودة، وقواعد البيانات المفتوحة للمتخصصين، وربط السجلات التاريخية بصور القطع، يمكن أن يجعل عملية تتبع القطعة أكثر سهولة، ويصعب من إمكانية اختفائها أو تغيير هويتها.
كما أن علينا ألا ننتظر حتى تُسرق قطعة أو تظهر فجأة في أحد المزادات حتى نبدأ في البحث عن تاريخها. فالمتابعة يجب أن تكون مستمرة. والوقاية دائما أفضل من محاولة الاستعادة بعد ضياع القطعة.
وفي واقعة عقد الملكة نازلي تحديداً، نحن أمام مثال واضح على أن قيمة التراث لا تنتهي بخروجه من الدولة، كما أن وجود قطعة تاريخية في متحف عالمي لا يعني بالضرورة أنها أصبحت بعيدة عن المخاطر.
فالقطعة كانت معروضة في مؤسسة متحفية كبرى وفي وضح النهار، ومع ذلك تعرضت للسرقة خلال ساعات الزيارة، وهو ما يوضح أن حماية المقتنيات التاريخية مسؤولية مستمرة تحتاج إلى إجراءات أمنية متطورة، ومراجعة دورية لأنظمة التأمين والمراقبة، وتقييم المخاطر الخاصة بكل قطعة وفقا لقيمتها وأهميتها.
وفي الوقت نفسه، فإن حادث السرقة يذكرنا بأن القطع التاريخية لا ينبغي أن ينظر إليها باعتبارها مجرد سلع يمكن أن تتغير ملكيتها من يد إلى أخرى؛ لأن بعض القطع تحمل في داخلها جزءًا من ذاكرة الشعوب. وعقد الملكة نازلي واحد من هذه الأمثلة. فهو يحمل في مادته قصة فنية، وفي تاريخه قصة ملكية، وفي ارتباطه بالملكة نازلي والأميرة فوزية وحفل زفاف عام 1939 قصة سياسية واجتماعية ودبلوماسية من تاريخ مصر في القرن العشرين.
ومن هنا فإن القضية بالنسبة لي ليست قضية ألماس سُرق من فاترينة متحف في فيينا فحسب، وإنما هي تذكير بضرورة أن ننظر إلى التراث المصري الموجود في الخارج باعتباره ملفًا علمياً وثقافياً وقانونيًا يحتاج إلى العمل المنظم والتوثيق المستمر.
ولا أعتقد أن الطريق الصحيح هو إطلاق الاتهامات أو إصدار أحكام دون وثائق، وإنما الطريق الصحيح هو البحث والتحقيق والتوثيق.
علينا أن نعرف تاريخ كل قطعة، وأن نوثق مسار ملكيتها، وأن نميز بين ما خرج بصورة قانونية وما توجد حوله شبهة أو مخالفة، وأن نستخدم القنوات القانونية والدبلوماسية لاستعادة ما يثبت حق مصر فيه.
وفي النهاية، فإن استعادة قطعة تراثية لا تعني استعادة حجر أو معدن أو مجوهرات فقط، وإنما تعني استعادة جزء من الذاكرة. فالتراث ليس مجرد ممتلكات لها سعر في مزاد، وإنما هو شاهد على تاريخ الشعوب وهويتها وذاكرتها.
ومن واجبنا أن نحافظ على هذا التراث، وأن نوثقه، وأن ندافع عنه بالعلم والقانون، وأن نعمل على استعادة ما يثبت حق مصر فيه، وأن نحافظ في الوقت نفسه على كل قطعة ما زالت داخل البلاد.
أما عقد الملكة نازلي، فنأمل أن تنجح السلطات النمساوية في العثور عليه واستعادته، ليس فقط لأن قيمته المادية تقدر بملايين الدولارات، وإنما لأنه قطعة تحمل جزءًا من تاريخ مصر الحديث، وتستحق أن تعود إلى دائرة الحفظ والتوثيق والعرض الآمن، حتى تبقى قصتها معروفة للأجيال القادمة.
قصة عقد الملكة نازلى
وصُممت قلادة الألماس المسروقة من قِبل دار فان كليف أند آربلز خصيصًا للملكة نازلي ملكة مصر، التي ارتدتها في حفل زفاف ابنتها الأميرة فوزية وولي عهد إيران آنذاك، محمد رضا بهلوي، عام 1939.
وكلفت الملكة نازلى الأم في ذلك الوقت، دار Diamond Parure الجديدة من فان كليف أند آربلز بتصميم مجموعة مميزة من المجوهرات لها للاحتفال بزفاف ابنتها، وتضمنت المجموعة القلادة الماسية الفخمة والتاج وأقراط وخواتم مطابقة، حيث صممت على طراز Art Deco، وتُحسب القلادة من بين قطع المجوهرات الملكية في العالم التي تكلف تصميمها أكثر من مليون دولار أمريكي.
ارتدت الملكة نازلى هذه المجموعة ومنها العقد المسروق، التي احتلت مكانة خاصة لديها، مرارًا بعد زفاف ابنتها إلى شاه إيران، وبقيت معها لعقود حتى بعد نفيها من قبل ابنها الملك فاروق، حتى تعرضت للإفلاس بسبب “رياض غالى” زوج ابنتها فتحية، فأُجبرت الملكة نازلي على بيع الكثير من مجموعة مجوهراتها في مزاد سوثبي بارك بيرنيت في نيويورك، عام 1975، لتسوية ديونها.
وقدّرت دار سوثبي قيمة العقد بما بين 3.6 مليون و4.6 مليون دولار أمريكي في مزاد عام 2015 والقطعة مصنوعة من البلاتين و673 ماسة بوزن إجمالي 200 قيراط حسب وكالة الأنباء الفرنسية.
وتُعدّ هذه السرقة الفنية الأكبر قيمةً في فيينا منذ سرقة لوحة سالييرا الذهبية والمينا للفنان بينفينوتو تشيليني من متحف تاريخ الفنون عام 2003 وقد استُعيدت تلك القطعة، التي قُدّرت قيمتها بـ 50 مليون يورو، بعد ثلاث سنوات.
بروتوكولات الأمن في المتاحف الأوروبية
ومن المتوقع أن تُعيد هذه السرقة الأخيرة تسليط الضوء على بروتوكولات الأمن في المتاحف، وذلك في أعقاب سرقة مجوهرات بقيمة 100 مليون دولار أمريكي تقريبًا من متحف اللوفر في وضح النهار العام الماضي. وقد أُلقي القبض على عدد من الأشخاص في تلك القضية، لكن مدير متحف اللوفر في باريس أُجبر على الاستقالة.
مش مجرد مجوهرات”.. بهذه الكلمات علقت الأميرة فوزية لطيفة فؤاد الثاني، حفيدة الملكة نازلي، على سرقة العقد الماسي التاريخي لجدتها، الذي اختفى من داخل متحف الفنون التطبيقية في العاصمة النمساوية فيينا.
وقالت الأميرة فوزية، عبر حسابها على موقع “إنستجرام”: “عرفت بحزن كبير جدا خبر سرقة العقد التاريخي لجدتي الملكة نازلي في فيينا”.
وأضافت: “القطعة دي مش مجرد مجوهرات بقيمة فنية وجمال استثنائي، لكنها جزء ما يتعوضش من تاريخ عيلتنا ومن التراث والهوية الثقافية لمصر.. هي شاهد حقيقي على عصر كان مليان شياكة، وفن، وإبداع، وقيمتها ومعناها أكبر بكتير من مجرد أي مصلحة شخصية”.
وتابعت: “أنا عندي ثقة إن السلطات المعنية والجهات الدولية بتاخد كل الإجراءات اللازمة عشان القطعة دي ترجع بالسلامة.. وكل أملي إن بعد استرجاعها، تفضل التحفة دي محفوظة ومصونة بالتقدير اللي تستحقه، عشان يفضل تاريخها وقيمتها الثقافية عايشين لكل الأجيال اللي جاية”.
عقد الملكة نازلي يحمل ذاكرة الأسرة الملكية
لم تكن القلادة التي اختفت من متحف فيينا مجرد قطعة مجوهرات عادية، إذ تعود قصتها إلى عام 1939، عندما كلفت الملكة نازلي دار “فان كليف آند آربلز” بتصميم طقم من المجوهرات الماسية احتفالا بزفاف ابنتها الأميرة فوزية على شاه إيران محمد رضا بهلوي.
وضم الطقم قلادة ماسية بتصميم مستوحى من طراز “آرت ديكو”، وزينت بأحجار ألماس عديدة، وأصبحت واحدة من القطع اللافتة في مجموعة الملكة نازلي.
وارتدت الملكة القلادة في عدد من المناسبات الملكية، من بينها احتفالات زفاف الأميرة فوزية في مصر وإيران، كما ظهرت بها في صور ومناسبات رسمية خلال أربعينيات القرن الماضي.
من 140 ألف دولار إلى 4.3 مليون دولار
استمرت رحلة القلادة لسنوات طويلة، قبل أن تضطر الملكة نازلي إلى بيع جزء كبير من مجوهراتها في مزاد أقيم في نيويورك عام 1975.
وبيعت القلادة آنذاك مقابل نحو 140 ألف دولار، ثم اختفت عن الأنظار لسنوات طويلة، قبل أن تظهر مجددا في مزاد “سوذبيز” بنيويورك عام 2015.
وفي ذلك المزاد، عادت القلادة إلى دار “فان كليف آند آربلز” بعدما اشترتها مقابل نحو 4.3 مليون دولار، لتظهر لاحقا ضمن معارض الدار، ومن بينها معرض أقيم في ميلانو.
آخر ظهور عائلي لعقد الملكة نازلي
وقبل أن تصل القلادة إلى معرضها في فيينا، عادت إلى الظهور في مناسبة لافتة عندما ارتدتها أمينة الدمرداش، حفيدة حفيدة الملكة نازلي، خلال جلسة تصوير لمجلة “Vogue Arabia”.
لكن رحلة القلادة اتخذت منعطفا صادما يوم الخميس، عندما تعرضت للسرقة من متحف الفنون التطبيقية “MAK” في فيينا.
ووفقا للمعلومات التي أعلنتها السلطات النمساوية، دخل رجلان إلى المتحف كزائرين، قبل أن يحطما واجهة زجاجية باستخدام مطرقة ويستوليا على القلادة، ثم يلوذا بالفرار.
وكانت القلادة معروضة ضمن معرض يضم أكثر من 300 عمل من تصميم دار “فان كليف آند آربلز”، فيما لم يصب أحد بأذى خلال عملية السرقة، رغم وجود زوار داخل القاعة.
ونشرت الشرطة النمساوية صورا للمشتبه بهما الملتقطة بواسطة كاميرات المراقبة، في محاولة للوصول إليهما واستعادة القطعة التاريخية.
وتتكون القلادة المسروقة من البلاتين ومرصعة بنحو 673 ماسة، وهو ما يجعل عملية سرقتها واحدة من أبرز وقائع سرقة المجوهرات التاريخية في أوروبا خلال الفترة