من أين جئت.. بكل هذا الأمل العقِيم؟ هذا الذي يختلس أنفاسه من رحم العدم ويتشبث بالحياة في أرضٍ.. لم تعرف يوماً لغة الجذور أملٌ.. كمنارةٍ عابثةٍ في قلب الضباب تغوي التائهين بوهم النجاة وهي لا تدري.. إلى أي هاويةٍ تقود الخطى كيف استطعت أن تقنع قلبك.. أن يطيل الوقوف على أبوابٍ ما عادت تطرق بينما الطرقات التي حفظت صوت خطواتك.. محتها الرياح منذ أمدٍ بعيد؟ أما تعبت من رتق الأيام المهشمة؟ ومن جمع شظايا الأمنيات المبعثرة؟ ومن ترديد تلك الكذبة البيضاء.. بأن الغد، ربما.. سيحمل ما عجز الأمس عن إحضاره؟ ربما.. لم يكن الأمل كذبةً تماماً بل كنا نحن.. من نخشى المصافحة الأخيرة للنهاية نتمسك بما يدمينا.. لأننا ببساطة نسينا كيف نمضي دونه وما أقصى الحقيقة حين تنجلي.. أنك كنت المعجزة الوحيدة المتبقية في الحكاية وأن كل ذلك الانتظار الطويل.. لم يكن سوى سرابٍ يتألق عن بُعد وأن الضوء الذي احتميت بظلاله لم يكن إلا وميضك الأخير ينطفئ ببطءٍ من روحك فيا هذا.. من أين جئت بكل هذا العمر امنحته للسراب؟ وهل ستظل مرابطاً على حافة فجرٍ لا يأتي؟ أم ستدرك يوماً أن النجاة الحقيقية لا تبدأ حين تتحقق الأمنيات بل حين نملك شجاعة أن نتركها ترحل؟ فليس كل ما غاب.. يستحق العودة وليس كل ضوءٍ يلوح في الأفق علامة خلاص بعض الأحلام نحتاج إلى رحيلها أكثر بكثير من احتياجنا لبقائها وحين تنطفئ المنارة تماماً وتكف عن التفتيش عن طريقٍ وسط الضباب ستدرك بدهشةٍ خفيفة أنك قادرٌ على المضي وحدك حتى بلا ضوء وأنه بإمكانك أن تمنح نفسك الحياة دون أن تستجددي من العدم سبباً للبقاء.