المقالات والسياسه والادب
بعيد عن عيني بس الوجع إنك قريب من قلبي ومش قادر أوصلك

كتبت/د/شيماء صبحي
فيه ناس بتبقى بعيدة عن عينيك، بس عمرها ما بتغيب عن قلبك.. وناس تانية بتبقى قدامك كل يوم، لكن عمرك ما بتحس إنك قريب منها بجد.
وأصعب بُعد في الدنيا مش بُعد المسافات، ولا إنك تبقى في بلد وهو في بلد، ولا إنك تستنى مكالمة بالساعات.. أصعب بُعد إن يبقى فيه إنسان واخد حتة كبيرة من قلبك، عايش جواك في كل تفصيلة، وإنت مش عارف إذا كنت لسه عايش جواه ولا خلاص بقيت مجرد ذكرى عابرة في يومه.
عارف يعني إيه تبقى بتعمل حاجة عادية جدًا، وفجأة تفتكره؟
تسمع أغنية فتفتكر صوته، تعدي من مكان كنتوا فيه سوا فتفتكر ضحكته، تشوف حاجة كان بيحبها فتلقائيًا إيدك تروح للموبايل عشان تبعتهاله.. وبعدين تقف مكانك وتفتكر إن مفيش بينكم كلام، وإنك مبقتش الشخص اللي من حقه يشارك تفاصيل يومه معاه.
عارف يعني إيه تبقى عايز تحكيله إنك تعبان، وإن يومك كان صعب، وإن فيه حاجات كتير حصلت نفسك تحكيهاله، لكنك تسكت؟ مش عشان معندكش كلام، لكن عشان مبقتش عارف مكانك عنده يسمحلك تقول إيه وميسمحلكش تقول إيه.
وده الوجع الحقيقي..
إنك بعد ما كنت بتحكيله كل حاجة من غير تفكير، بقيت تفكر ألف مرة قبل ما تبعتله كلمة واحدة.
بعد ما كان وجوده في يومك حاجة طبيعية، بقيت تحسبها:
هو ينفع أكلمه؟
طب هو ممكن يكون مشغول؟
طب يمكن ميبقاش عايز يرد؟
طب لو رديت عليه وكنت تقيل؟
طب لو حس إني لسه متعلق بيه؟
وتفضل الأسئلة تلف في دماغك لحد ما تتعب، وفي الآخر متبعتش حاجة.
مش لأنك مش مشتاق..
ده إنت مشتاق بطريقة لو اتحكت محدش هيصدقها.
بس لأنك بدأت تفهم إن الاشتياق لوحده مش كفاية، وإنك مهما كنت بتحب حد، مينفعش تفضل طول الوقت بتحاول تثبتله إنك تستاهل مكان في حياته.
أصعب حاجة إنك تبقى مشتاق لإنسان، وفي نفس الوقت خايف تقرب منه.
خايف تقرب فتكتشف إنك بقيت غريب، وإن كل الحاجات اللي لسه عايش عليها في ذاكرتك هو نسيها من زمان.
خايف تسأله عامل إيه، فيرد عليك بكلمتين باردين، فتقعد بقية يومك تحاول تفهم هو اتغير إمتى، وإزاي الشخص اللي كان بيحس بيك من نبرة صوتك بقى مش واخد باله أصلًا إنك موجوع.
وخايف أكتر من إنك تكتشف إنك لسه بتحبه بنفس القوة، وإنه هو خلاص مبقاش عنده نفس الشعور.
لأن الحقيقة إن مفيش وجع أصعب من إن قلبك يفضل متعلق بحد، بينما الواقع كل يوم بيحاول يفهمك إن الحكاية يمكن تكون انتهت.
⸻
عارف إيه اللي بيوجع أكتر من الغياب؟
إنك تفضل فاكر.
فاكر تفاصيل صغيرة يمكن هو نفسه نسيها.
فاكر أول مرة اتكلمتوا فيها، وأول مرة حسيت إنه مختلف، وأول مرة ضحكت من قلبك بسببه، وأول مرة خفت تخسره، وأول مرة حسيت إن الدنيا ممكن تبقى أحن لمجرد إنه موجود فيها.
فاكر كلام اتقال في لحظات صافية، ووعود اتبنت عليها أحلام، وتفاصيل بسيطة مكنتش تعرف وقتها إنها هتبقى يومًا ما سبب في دموعك.
فاكر لما كان بيطمنك من غير ما تطلب، ولما كان بيلاحظ زعلك حتى لو بتقول إنك كويس، ولما كان مجرد صوته بيهدي جواك حاجات كتير.
وبعدين تسأل نفسك:
هو كل ده راح فين؟
إزاي حاجة كانت قريبة بالشكل ده بقت بعيدة بالشكل ده؟
إزاي اتنين كانوا بيخافوا على بعض من الزعل، وصلوا لمرحلة إن واحد فيهم يزعل والتاني يكمل يومه عادي؟
يمكن مفيش إجابة واضحة، ويمكن الإجابة موجودة بس إحنا مش مستعدين نواجهها.
يمكن المشاعر اتغيرت، ويمكن الظروف غلبتهم، ويمكن واحد تعب من المحاولة، والتاني افتكر إن وجوده مضمون، ويمكن الحكاية كلها كانت محتاجة اهتمام أكتر من الكلام اللي اتقال.
لكن في النهاية، فيه حقيقة لازم نعترف بيها:
مش كل الناس اللي بنحبها بتكمل معانا، ومش كل الحكايات اللي بنتمناها بتوصل للنهاية اللي رسمناها في خيالنا.
وفيه ناس بنحبها بصدق، لكننا منقدرش نفضل معاها مهما كان الحب كبير.
⸻
أنا مش زعلان إنك بعيد.. أنا زعلان إني مش عارف أنا إيه بالنسبالك دلوقتي.
ودي حكاية ناس كتير مش بتعرف تحكيها.
إنك متبقاش عارف هل من حقك تزعل لما يغيب؟
هل من حقك تشتاق وتعاتب؟
هل من حقك تسأل عليه؟
هل من حقك تستنى منه رسالة زي زمان؟
ولا خلاص، كل الحقوق دي انتهت مع آخر مرة قلتوا فيها إن كل واحد يروح لحاله؟
بتبقى واقف في منطقة غريبة جدًا..
مش قادر تعتبره شخص عادي، ومش قادر تعامله كأنه حبيبك، ومش قادر تنساه، وفي نفس الوقت مش قادر ترجع زي الأول.
قلبك لسه شايفه الشخص اللي كان قريب منك، لكن الواقع بيقولك إن المسافة بينكم كبرت، وإن فيه حاجات كتير اتغيرت، وإن الرجوع مش مجرد رسالة ولا مكالمة ولا كلمة «وحشتني».
لأنك ممكن تسمع كلمة «وحشتني» من الشخص اللي بتحبه، وتفرح بيها لدرجة إنك تنسى كل اللي وجعك، لكن بعد شوية ترجع تسأل نفسك:
طيب وبعدين؟
هل هو فعلًا عايز يرجع؟
ولا دي لحظة اشتياق وهتعدي؟
هل أنا لسه مهم؟
ولا هو افتكرني زي ما الواحد بيفتكر حاجة كانت حلوة في حياته وخلاص؟
اللي بيحب بجد مش محتاج يفضل طول الوقت يترجم التصرفات عشان يعرف هو مهم ولا لأ.
مش لازم الشخص يكون موجود معاك كل دقيقة، ولا لازم يرد عليك في نفس اللحظة، ولا لازم يثبتلك حبه كل ساعة.. لكن لازم تحس إن ليك مكان، وإن وجودك فارق، وإن العلاقة مش مسؤوليتك لوحدك.
لأن الحب اللي يخليك طول الوقت خايف، ومتوتر، ومستني، وبتحسب كل كلمة قبل ما تقولها، محتاج منك وقفة صادقة مع نفسك.
مش كل اشتياق معناه إننا لازم نرجع، ومش كل حب معناه إننا مناسبين لبعض، ومش كل شخص غالي على قلبنا يقدر يدينا العلاقة اللي إحنا محتاجينها.
⸻
وفيه لحظة بتغيّر كل حاجة..
لحظة مش بتكون فيها كرهت الشخص، ولا بطلت تحبه، ولا حتى نسيت اللي بينكم.
لكن بتكون تعبت.
تعبت من إنك كل مرة تبادر، وكل مرة تفتح باب الكلام، وكل مرة تحاول تصلح حاجة إنت مش لوحدك اللي بوظتها.
تعبت من إنك تبرر غيابه، وتدافع عن تصرفاته قدام نفسك، وتقول يمكن مضغوط، يمكن تعبان، يمكن مشغول، يمكن مش بيعرف يعبر عن مشاعره.
وتفضل تدورله على ألف عذر، لحد ما تكتشف إنك نسيت تسأل نفسك سؤال واحد:
طب وأنا؟ مين هيعذرني؟ مين هيحس بيا؟ مين هيطمن قلبي اللي كل يوم بيتعب أكتر؟
لحد ما تيجي لحظة تلاقي نفسك فيها مش قادر تبعت، مش قادر تعاتب، مش قادر حتى تشرح إنت زعلان ليه.
مش لأن الوجع خلص، لكن لأنك استهلكت كل الكلام اللي كان ممكن يتقال.
وساعتها بتبدأ تبعد بهدوء.
مش بتعمل بلوك، ولا بتكتب كلام مبطن، ولا بتحاول تخليه يندم، ولا بتستنى يشوفك مبسوط عشان يغير.
إنت بس بتبطل تحاول.
بتبطل تجري ورا إجابة مش عايزة تيجي، وبتبطل تطلب اهتمام المفروض يكون نابع من رغبة حقيقية، وبتبطل تحط قلبك في مكان كل يوم بيطلع منه مجروح.
والمؤلم إنك ممكن تبعد وإنت لسه بتحبه.
آه، ممكن تبعد عن إنسان نفسك تفضل معاه، بس فهمت إن الاستمرار بالطريقة دي بيخسرك نفسك.
ممكن تتمنى إنه يرجع، وفي نفس الوقت تعرف إن رجوعه من غير تغيير حقيقي هيعيدك لنفس الوجع.
ممكن تفتقده كل ليلة، ومع ذلك متكلموش.
وده مش تناقض، دي طبيعة القلب لما يحب بصدق، ولما العقل يبدأ يفهم إن الحب لوحده مش كفاية.
⸻
يا ترى البُعد بيقلل الحب، ولا بيكشف حقيقته؟
يمكن البُعد يكشف لنا حاجات مكنّاش شايفينها وإحنا قريبين.
يكشف مين كان بيحب وجودنا فعلًا، ومين كان بيحب اهتمامنا بيه.
مين كان بيحاول عشان العلاقة تكمل، ومين كان مستني مننا نعمل كل حاجة.
مين كان بيفتقدنا لما بنغيب، ومين كان بيلاحظ غيابنا بس لما يحتاج حاجة.
لكن لازم نفهم إن الناس مش كلها بتعبّر عن الحب بنفس الطريقة، وإن الصمت لوحده مش دليل قاطع على عدم الحب، وإن فيه ظروف فعلًا بتمنع التواصل أحيانًا.
عشان كده، متبنيش حكمك على لحظة واحدة، ولا على يوم صعب، ولا على تأخير في الرد.
بص للصورة كاملة:
هل فيه اهتمام مستمر؟
هل فيه احترام؟
هل فيه وضوح؟
هل لما بتتكلموا عن المشكلة بتحصل محاولة حقيقية لحلها؟
هل الطرف التاني بيشاركك مسؤولية العلاقة، ولا إنت اللي شايلها لوحدك؟
لأن فيه فرق كبير بين شخص بعيد عنك في المسافة، لكنه بيحاول يفضل قريب منك، وشخص قريب منك جدًا، لكنه سايبك تواجه كل مخاوفك لوحدك.
الأول ممكن تطمن معاه حتى لو مش بتشوفه كتير، والتاني ممكن يحسسك بالوحدة وهو قاعد جنبك.
وأوقات كتير، الوحدة وسط العلاقة بتكون أقسى من الوحدة بعد انتهائها.
⸻
وفي آخر الليل، لما الدنيا تهدى، والموبايل يسكت، وكل واحد يرجع لوحدته، فيه ناس بتفضل تبص على آخر محادثة بينهم وبين الشخص اللي بيحبوه.
يقلبوا في الكلام القديم، يضحكوا على رسالة كانت بتفرحهم، ويقفوا عند كلمة اتقالت زمان ومبقتش مفهومة دلوقتي.
يمكن يكتبوا رسالة طويلة، يحكوا فيها كل اللي جواهم، وبعدين يمسحوها.
يمكن يفتحوا اسمه، يقفلوا الصفحة، ويرجعوا يفتحوها تاني.
يمكن يتمنوا إن الموبايل ينور باسمه، وإن الرسالة اللي مستنيينها من زمان توصل أخيرًا.
مش عشان عندهم كلام جديد، لكن عشان نفسهم يحسوا إنهم لسه في باله، وإن كل اللي عاشوه سوا مكنش سهل يتنسي.
لكن الحقيقة اللي لازم كل واحد فينا يفهمها، إننا منقدرش نعيش عمرنا كله مستنيين شخص يفتكرنا.
مينفعش نفضل واقفين عند باب اتقفل، ونقنع نفسنا إننا لو خبطنا مرة كمان يمكن يتفتح.
ومينفعش نحول الذكريات لسجن نعيش فيه، ونرفض أي فرصة جديدة للراحة لمجرد إن قلبنا لسه متعلق بحد من الماضي.
افتكر الشخص اللي بتحبه بكل الحلو والوحش اللي بينكم، واعترف لنفسك إنك اشتقت، وإنك اتوجعت، وإن فيه حاجات لسه جواك ملهاش إجابة.
بس افتكر كمان إنك تستحق علاقة متبقاش فيها مضطر تتسول الطمأنينة، ولا تفضل تثبت إنك تستحق الحب، ولا تعيش في حيرة مستمرة عن مكانك في حياة إنسان.
ولو فيه فرصة حقيقية للرجوع، يبقى الرجوع بكلام واضح، واعتراف بالأخطاء، وتغيير في التصرفات، ومحاولة من الطرفين.
إنما لو مفيش غير الاشتياق، والذكريات، والوعود القديمة، فحاول تحافظ على قلبك من إنه يفضل يدفع تمن حكاية انتهت.
مش لازم تكره عشان تبعد، ومش لازم تنسى عشان تكمل، ومش لازم تتظاهر إنك بقيت كويس وإنت لسه بتتعافى.
كل اللي محتاجه إنك تتعلم تعيش، حتى لو فيه حتة جواك لسه بتفتقده.
⸻
وفي النهاية..
يمكن تكون بعيد عن عيني، لكنك لسه قريب من قلبي، ويمكن أكون أنا كمان لسه بفتكر في لحظات إنت نسيت فيها إن كان لينا حكاية.
يمكن لسه لما أسمع اسمك أحس بحاجة جوايا، ويمكن لسه فيه كلام كتير كان نفسي أقولهولك، وعتاب اتأخر، وأسئلة ملهاش إجابات.
بس مش كل اللي جوانا لازم نوصلّه للي كان السبب فيه.
فيه كلام بنقوله لنفسنا عشان نرتاح، وفيه دموع بنعيطها عشان نقدر نكمل، وفيه أبواب بنقفلها وإحنا لسه بنتمنى لو كانت اتفتحت بطريقة مختلفة.
ولو سألتني هل ممكن قلبين يتلاقوا بعد ما فرقت بينهم المسافات؟
هقولك: أيوه، ممكن.
بس مش بالاشتياق وحده، ولا بالذكريات وحدها، ولا بمجرد إن كل واحد فيهم لسه بيفكر في التاني.
لازم يبقى فيه طريق مفتوح من الناحيتين، وخطوة من كل قلب، ورغبة حقيقية في إن الحكاية تنجح المرة دي.
لأن أصعب حاجة مش إن اتنين يحبوا بعض ويفرقهم البُعد.
أصعب حاجة إن واحد يفضل يحارب عشان يوصل للتاني، والتاني يكون مش عايز يتحرك من مكانه.
وساعتها، مهما كان الحب كبير، هيفضل واحد بيتعب في الطريق، والتاني بيتفرج عليه وهو بيبعد.
خليك فاكر دايمًا.. مش كل شخص قريب من قلبك لازم يكون شريك حياتك، ومش كل شخص غايب عن عينك ناسيك، لكن الشخص اللي عايز يكمل معاك بجد، لازم في يوم من الأيام يترجم مشاعره لتصرفات تطمنك.
لأن القلوب مهما استحملت، بييجي عليها وقت بتتعب فيه من الانتظار.
وساعتها مش بتبطل تحب فجأة، لكنها بتتعلم إن الحب مش معناه إنها تفضل واقفة على باب حد عمره ما قرر يفتح لها.



