المقالات والسياسه والادب
انتصار إرادة شعب بقلم / د. تامر عبد القادر عمار

انتصار إرادة شعب
في لحظة فارقة، وقف الشعب ليقول كلمته… لا خوف بعد الآن، لا خضوع، ولا بيع للوطن.
هكذا يُكتب التاريخ، وهكذا انتصرت مصر في ملحمة 30 يونيو، ثورة الارادة … وبوابة العبور إلى الحياة.”
الثلاثون من يونيو عام 2013 لم تكن مجرد تظاهرة أو حراك شعبي عابر، بل كانت لحظة وعي، لحظة ولادة جديدة لوطن كاد أن يُسرق في وضح النهار.
كان القرار صعبًا، والمشهد مربكًا، والمخاطر تحاصر الدولة من كل جانب، لكن ما من شيء كان أقوى من إرادة شعب قرر أن يستعيد وطنه من فوهة العبث، وأن يُسقط وهم “الحكم بالهوية”، ويعيد للراية المصرية لونها الواحد: علم مصر… فقط.
في ذلك اليوم، خرجت الملايين إلى الشوارع، لا بدعوة من حزب، ولا استجابة لحساب سياسي، بل بدافع الفطرة الوطنية التي لا تقبل الإهانة، ولا ترضى بأن يكون الوطن حقل تجارب لجماعة لم تؤمن يومًا بالدولة، ولا بشعبها.
ربما يخطئ من يتصور أن 30 يونيو كانت مجرد رد فعل على أداء حكومي فاشل.
لقد كانت ثورة وعي وكرامة، قادتها الطبقة الوسطى، والعمال، والمزارعون، والطلاب، والمثقفون، والنساء، وحتى الأطفال الذين لم يعرفوا في السياسة شيئًا، لكنهم شعروا بالخطر… بالخوف من ضياع الهوية، وانهيار مؤسسات الدولة، وانكسار الحلم المصري الذي ظل حيًا رغم كل العثرات.
خرج المصريون ليقولوا: لسنا قطعانًا، ولسنا رعايا لجماعة، ولسنا تابعين لأحد.
نحن شعب له تاريخه، له هويته، له حلمه العابر للحكام، والعابر للأزمات.
ولم يكن الجيش طرفًا سياسيًا، لكنه كان “درعًا شعبيًا” حقيقيًا.
حين علا صوت الملايين، لم يتأخر الجيش المصري، بل انحاز إلى الشعب، لا إلى طرف أو فصيل، مؤكدًا مجددًا أنه جيش الدولة… لا الحاكم.
تلك اللحظة التاريخية التي أعلن فيها القائد العام للقوات المسلحة خارطة الطريق، لم تكن لحظة انقلاب كما حاول البعض تسويقها، بل كانت لحظة إنقاذ وطني حاسم، لإنهاء فوضى سياسية كادت أن تعصف بالدولة، وتحولها إلى دولة فاشلة، تنهشها صراعات الطوائف والتيارات والمصالح.
وهنا فقط، بدأ العد التنازلي لاستعادة الدولة المصرية هيبتها، ومؤسساتها، ووجهها الذي حاولت الجماعة أن تُطمسه باسم الدين.
فلماذا 30 يونيو؟ ولماذا كانت ضرورية؟
لأن الدولة كانت تُختطف، لأن الدستور كان يُفصل على مقاس جماعة واحدة، لأن الإعلام كان يُقمع، والمرأة كانت تُهان، والفن يُشيطن، والأزهر يُحاصر، والقضاء يُطعن، والاقتصاد يُنهب، والعلماء يُقصون، والهوية المصرية تتآكل.
لم يكن الشعب يطلب أكثر من العيش بكرامة، لكن حين بدأ يرى أحلامه تذوب في نار الاستبداد الديني المقنع، قرر أن يُعلنها: الكرامة قبل الخبز، والوطن قبل الجماعة.
ومنذ تلك اللحظة، أصبحت 30 يونيو ليس مجرد يوم في الذاكرة، بل حجر أساس في بناء الدولة الحديثة.
نعم، لم تكن الطريق سهلة، ولم تُحل المشكلات بين ليلة وضحاها.
لكن مصر التي كانت على وشك الإفلاس والانهيار، أصبحت اليوم قوة إقليمية فاعلة، ذات رؤية، ومشروع، واستقرار.
منذ 30 يونيو، تحررت مصر من قبضة التبعية، ووضعت معادلات جديدة للأمن القومي، وبنت شبكة بنية تحتية تاريخية، وأعادت الاعتبار لقيمة المواطنة، واحترام المرأة، وحرية العبادة، وحق الاختلاف… تحت مظلة الوطن الواحد.
منذ 30 يونيو، لم يعد أحد يستطيع أن يتحدث باسم الله ليسكت صوت الوطن.
رسائل من قلب الثورة
• إلى كل من شارك في 30 يونيو، تذكّر أن صوتك غير وجهة وطن.
• إلى الأجيال الجديدة: اسألوا عن معنى الحرية، عن معنى الهوية، عن معنى الدولة… تجدوا الإجابة في ميادين 30 يونيو.
• إلى من يروّجون لليأس: راجعوا التاريخ، واعرفوا أن أمة بحجم مصر لا تموت… ما دام فيها من يخرج ويقول: لا.
وختاماً .. فان الثورات لا تُقاس فقط بنتائجها، بل أيضًا بصدق نوايا من أشعلوها.
وثورة 30 يونيو كانت صادقة، لأنها خرجت من قلب الناس، وعبّرت عن وجدان شعب كان يدافع عن وطنه، لا عن مكاسب أو مقاعد.
ستبقى 30 يونيو علامة فارقة في تاريخ مصر الحديث… لا لأنّها أسقطت حكم جماعة، بل لأنها أعادت مصر إلى شعبها.
وفي كل عام، حين تمرّ ذكرى الثورة، يجب ألا نكتفي بالاحتفال… بل نُعيد تجديد العهد، بأن الكرامة خط أحمر، والوطن لا يُباع، والدين لا يُستخدم، والشعب هو السيّد الأول والأخير.
فكل عام… ومصر بخير،
وكل عام… وشعبها حرّ،
وكل عام… و30 يونيو تذكرنا بأننا نستحق الحياة



