المقالات والسياسه والادب

ذاكرة تسندها عكاز

إيمان نجار

‏أنا عجوز، أرهقني عبء السنين،
‏أجلس وحيدة بين ذكرياتِ لم تزل تعانق قلبي.
‏أسترجع شبابي حين كانت روحي حرة، وحياتي مليئة بالوعود التي تبخرت مع كل فجر جديد.
‏كنت أرى العالم بعيونٍ شغوفة، أما اليوم، فأجد نفسي محاطة بصمتٍ ثقيل لا يكسره سوى أنين الروح.
‏كل خط على وجهي هو قصة ألمٍ وحكمة، وكل رمشٍ يحمل حكاية انتصارٍ وهزيمة.
‏أجلس بين أطياف الماضي، أعيش في دوامةٍ من الحنين والندم، وأتساءل: هل كان العمر عدواً أم صديقاً؟
‏لكن رغم كل هذا، ما زلتُ أتنفس وأحاول أن أجد في قلبي بقايا الأمل، حتى لو كانت شرارةً خافتة، تحرق ببطء، لكنها تحيا.
‏أجلس على هذا الكرسي الخشبي، كأنّي أنبتُّ فيه، لا أغادره إلا لتُذكّرني أوجاعي بأن لي جسدًا ثقيلاً.
‏يدي التي كانت ترفع بيتًا بأكمله، صارت ترتجف حين أرفع فنجان القهوة.
‏ظهري انحنى لا من ثقل العمر، بل من ثقل الذكريات التي لا تغيب.
‏كان البيت ضاحكًا… مزدحمًا بالأصوات، بالخطوات، بالعطر…
‏أمّا الآن، فلا شيء سوى الصمت، كأن الجدران قد نسيت كيف تنطق.
‏أطلّ من النافذة لا لأنتظر أحدًا…
‏بل لأتخيّلني، هناك، شابّة تملأ الحيّ ضحكًا وهمًّا،
‏تعدّ الغداء، وتلملم بقايا النهار من على وجوه أطفالها.
‏لكن الزمن لا يعود، وهو لا يعبأ بمن خلّفهم خلفه.
‏في الليل، أضمّ وسادتي كأنّها ذراع من رحل،
‏أهمس لها بكل ما كتمته لئلّا يُقال: “جدّتك فقدت عقلها.”
‏أبكي بصمتٍ لا أحد يسمعه… فالوحدة لا تصرخ، الوحدة تنخر.
‏لم أطلب من الحياة مالًا ولا مجدًا،
‏كنت أطلب قلبًا لا ينسى أن يسألني: “كيف حالكِ اليوم يا أمي؟”
‏لكن حتى هذا… صار من رفاهيات العمر المتأخّر.
‏أنا لست مجرّد امرأة هرِمة تُعدّ أنفاسها الأخيرة،
‏أنا تاريخ يمشي على عكّاز،
‏أنا وطنٌ تخلّى عنه سكّانه،
‏وأمنية وحيدة… أن يُحفظ اسمي
في ذاكرة قلب، لا دفتر ورق

مقالات ذات صلة