أنا عجوز، أرهقني عبء السنين، أجلس وحيدة بين ذكرياتِ لم تزل تعانق قلبي. أسترجع شبابي حين كانت روحي حرة، وحياتي مليئة بالوعود التي تبخرت مع كل فجر جديد. كنت أرى العالم بعيونٍ شغوفة، أما اليوم، فأجد نفسي محاطة بصمتٍ ثقيل لا يكسره سوى أنين الروح. كل خط على وجهي هو قصة ألمٍ وحكمة، وكل رمشٍ يحمل حكاية انتصارٍ وهزيمة. أجلس بين أطياف الماضي، أعيش في دوامةٍ من الحنين والندم، وأتساءل: هل كان العمر عدواً أم صديقاً؟ لكن رغم كل هذا، ما زلتُ أتنفس وأحاول أن أجد في قلبي بقايا الأمل، حتى لو كانت شرارةً خافتة، تحرق ببطء، لكنها تحيا. أجلس على هذا الكرسي الخشبي، كأنّي أنبتُّ فيه، لا أغادره إلا لتُذكّرني أوجاعي بأن لي جسدًا ثقيلاً. يدي التي كانت ترفع بيتًا بأكمله، صارت ترتجف حين أرفع فنجان القهوة. ظهري انحنى لا من ثقل العمر، بل من ثقل الذكريات التي لا تغيب. كان البيت ضاحكًا… مزدحمًا بالأصوات، بالخطوات، بالعطر… أمّا الآن، فلا شيء سوى الصمت، كأن الجدران قد نسيت كيف تنطق. أطلّ من النافذة لا لأنتظر أحدًا… بل لأتخيّلني، هناك، شابّة تملأ الحيّ ضحكًا وهمًّا، تعدّ الغداء، وتلملم بقايا النهار من على وجوه أطفالها. لكن الزمن لا يعود، وهو لا يعبأ بمن خلّفهم خلفه. في الليل، أضمّ وسادتي كأنّها ذراع من رحل، أهمس لها بكل ما كتمته لئلّا يُقال: "جدّتك فقدت عقلها." أبكي بصمتٍ لا أحد يسمعه… فالوحدة لا تصرخ، الوحدة تنخر. لم أطلب من الحياة مالًا ولا مجدًا، كنت أطلب قلبًا لا ينسى أن يسألني: "كيف حالكِ اليوم يا أمي؟" لكن حتى هذا… صار من رفاهيات العمر المتأخّر. أنا لست مجرّد امرأة هرِمة تُعدّ أنفاسها الأخيرة، أنا تاريخ يمشي على عكّاز، أنا وطنٌ تخلّى عنه سكّانه، وأمنية وحيدة… أن يُحفظ اسمي في ذاكرة قلب، لا دفتر ورق