أحتاج إلى كمادات باردة أضعها على قلبي… لا لأنه مريض، بل لأنه احترق في معركة لم ير أحد دخانها.
ثمة حرائق لا تشعلها النيران، بل الذكريات حين تتقن العودة، والغياب حين يكتسب عادة الإقامة، والكلمات التي لم تقل في وقتها، فتظل معلقة في الهواء كشرارات تبحث عما تحرقه.
أضع يدي على صدري أحيانًا، لا لأطمئن إلى نبضه، بل لأتأكد أن هذا اللهيب يسكنني حقًا، وأن ما أشعر به ليس وهمًا أتقنه الحنين، بل حقيقة أتقنها الفقد.
جربت أن أطفئه بالصبر، فكان الصبر يزيد الجمر اكتمالًا. وجربت الصمت، فإذا بالصمت يتحول إلى فرن يحفظ حرارة الوجع من أن تبرد. وجربت الانشغال بالحياة، لكن الحياة كانت تعيدني إليه كلما ظننت أنني ابتعدت خطوة.
أحتاج إلى برودة لا تشبه الشتاء… برودة تستطيع أن تقنع الدم بأنه ليس مضطرًا إلى الركض كلما مر اسمك في ذاكرتي، وأن تقنع أنفاسي أن الهواء ليس دائمًا محملًا برائحة الغياب.
لقد اكتشفت أن القلب لا يحترق دفعة واحدة، بل يحترق ببطء شديد؛ حتى يعتاد النار، ويقنع صاحبه أن هذا الاحتراق ليس إلا صورة أخرى للحياة.
فالقلوب ليست أوعية للدم فقط، بل أوطان صغيرة؛ وإذا احترق الوطن، ظل القلب يشم رائحة الرماد ولو أزهرت الحياة من حوله. وكل زهرة تمر بقربه، يحاول أن يتذكر لونها، فلا يرى إلا لون الدخان.
أخاف أن الألم لا يحرق القلب… بل يعلمه كيف يتقن الاشتعال وحده، حتى يصبح دفؤه دليلًا على خرابه، ويغدو النبض صوت حريق لا يسمعه أحد سواي.
ولذلك… لا أحتاج إلى كمادات تخفف حرارة قلبي، بل أحتاج إلى معجزة تعيد تعريف النار، كي تتعلم أن بعض القلوب لا ينبغي أن تختبر باللهب.
فالوجع الحقيقي ليس أن يحترق القلب… بل أن يعتاد الاحتراق حتى يظن أن النار هي درجته الطبيعية.