المقالات والسياسه والادب

اجازة من الضجيج لماذا نحتاج أن نغادر السوشيال ميديا قليلاً

بقلم: محمود جاب الله
لم أعد أطيق صوت الإشعارات. لم أعد أطيق أن أستيقظ فأجد العالم كله يتشاجر في كف يدي. قررت أن أبتعد عن السوشيال ميديا، ليس كراهية في الناس ولا هرباً من الواقع، ولكن بحثاً عن نفسي التي ضاعت بين بوست وتعليق وشير.
صارت حياتنا اليومية رهينة لشاشة صغيرة. نأكل ونحن نتصفح، ونمشي ونحن نرد، وننام وآخر ما نراه جدال لا ينتهي. صرنا نعرف أخبار العالم كله ولا نعرف ماذا حدث لجيراننا في نفس العمارة. صرنا خبراء في كل القضايا، ولكننا عاجزون عن إدارة يومنا بهدوء.
المشكلة ليست في التكنولوجيا. المشكلة أننا سلمنا وقتنا وعقولنا طواعية. السوشيال ميديا تحولت من وسيلة تواصل إلى ساحة معركة يومية. كل ساعة ترند جديد، وكل دقيقة رأي حاد، وكل ثانية مقارنة تقتل الرضا في قلوبنا. نشاهد حياة الآخرين المزيفة فنكره حياتنا الحقيقية، ونسمع ضجيجاً لا ينتهي فنفقد القدرة على سماع صوتنا الداخلي.
حين قررت البعد، اكتشفت أشياء بسيطة كنت قد نسيتها. اكتشفت طعم القهوة بدون تصوير، ومتعة كتاب يُقرأ للآخر دون مقاطعة، وقيمة قعدة مع الأهل لا يقطعها صوت تنبيه. اكتشفت أن عندي وقت أكتب، وأفكر، وأمشي، وأتنفس.
أنا لا أدعو لمقاطعة التكنولوجيا. هي نافذة مهمة على العالم. لكننا نحتاج “إجازة” منها. نحتاج أن نعيد ترتيب علاقتنا بها. أن نستخدمها أداة لا أن تستخدمنا هي. أن ندخلها بإرادتنا ونخرج منها بإرادتنا، لا أن نعيش داخلها 24 ساعة ونحن نشتكي.
الشارع المصري مليان ناس تعبانة من الضغط. شباب تايه بين مقارنات، وأسر تفككت بسبب الشات، وعقول استهلكت في خناقات لا تسمن ولا تغني. ربما لو أغلقنا التطبيق يومين في الأسبوع، أو ساعة قبل النوم، سنستعيد جزءاً من هدوئنا المفقود.
السوشيال ميديا لن تختفي. ولكننا نحن من نملك زر الإغلاق. فلنجرب أن نضغطه قليلاً.. لعلنا نجد أنفسنا مرة أخرى.

مقالات ذات صلة