مرة جديدة، يُترك طلاب الجنوب اللبناني في مواجهة أسئلة لا تشبه طفولتهم ولا تشبه حقهم في التعليم. في الوقت الذي يعيش فيه كثير منهم بين النزوح، وانقطاع الاستقرار، والخوف اليومي، تُطرح خيارات تربوية وكأن البلاد في حالة طبيعية: تعليم عن بُعد، امتحانات رسمية، ومواعيد ثابتة لا تعترف باضطراب الواقع.
كأن المطلوب من الطالب أن يتصرّف كأنه خارج الحرب… بينما هو في قلبها.
أي تعليم عن بُعد يمكن أن ينجح في بلدٍ تنقطع فيه الكهرباء لساعات طويلة، ويتعثر فيه الإنترنت في أفضل الظروف؟
كيف يُطلب من طالب نازح، لا يعرف أين سيبيت غداً، أن يفتح جهازاً قد لا يملكه أصلاً، ليتابع دروساً تحتاج إلى استقرار نفسي ومادي وبيئة هادئة؟
المسألة هنا ليست تقنية ولا تطويرية، بل مسألة واقع يُتجاهل. فالتعليم الإلكتروني، في أي دولة في العالم، يقوم على بنية تحتية مستقرة، وعلى حدّ أدنى من الأمان. أما في الجنوب اليوم، فالأولوية ليست “كيف نتعلّم أكثر”، بل “كيف نبقى بأمان”.
ومع ذلك، تُطرح حلول موحّدة على كل المناطق، وكأن الفوارق بين منطقة تعيش خطر الحرب وأخرى تعيش حياة شبه طبيعية غير موجودة. هنا تحديداً يتحول “التوحيد” من مبدأ عدالة إلى شكل من أشكال الظلم غير المباشر.
الأكثر إيلاماً أن الطلاب أنفسهم لا يطلبون امتيازات، بل يطالبون فقط بأن يُنظر إلى ظروفهم كما هي، لا كما يجب أن تكون. لا أحد منهم يريد خسارة سنة دراسية، لكن أيضاً لا أحد يمكنه أن يتعلّم في ظروف تُسحب فيها منه أبسط مقومات الاستقرار.
إن الإصرار على نماذج تعليمية لا تتناسب مع الواقع القائم، لا يحافظ على المستوى الأكاديمي، بل يهدد معنى العدالة التعليمية نفسه، ويضع الطالب في مواجهة معيار لا يشبه حياته.
في النهاية، القضية ليست امتحانات ولا منصات إلكترونية فقط، بل سؤال أعمق وأكثر قسوة:
هل ما زال التعليم حقاً متساوياً للجميع، أم أنه بات يُطلب فقط ممن يملك ترف الاستقرار؟
الطلاب في الجنوب اليوم لا يحتاجون وعوداً نظرية، بل قرارات تنظر إلى الأرض كما هي، لا كما يفترض أن تكون.