المقالات والسياسه والادب
السيد الأتربي بين صقل السرائر وترفع النبلاء

بقلم/نهاد السيد
بينما يهرول الزمان بقطاره السريع، تتوقف قاطرة التاريخ إجلالاً أمام أسماءٍ لم تكن مجرد عابر سبيل، بل كانت نقوشاً غائرة في وجدان الأرض؛ وهكذا تتجلى سيرة المهندس السيد أحمد الأتربي.. الرجل الذي لم يختصر حياته في عدد السنين، بل في اتساع الأثر، ليكون برهاناً حياً على أن “الإنسان موقف”، وأن الخلود الحقيقي لا يُصنع بالألقاب، بل بالصدق والزهد ونظافة اليد.

منذ ولادته في 13 أبريل 1945، تشرب السيد الأتربي حكمة الريف وأصالته. ورغم بلوغه أعلى المراتب العلمية والسياسية، ظل “ابن بلد أصيل” حتى النخاع، عاش وسط أهله في “كفر شريف” كواحد منهم، لم تغره أضواء العاصمة ولا بريق المناصب. في قريته، لم يكن يرتدي “البدلة” قط، بل كان يرتدي قلبه قبل ثيابه، حريصاً كل الحرص على إذابة أي فارق طبقي أو وظيفي قد تخلقه الدرجة العلمية كمهندس أو المكانة السياسية كعضو مجلس شيوخ؛ كان يرى أن عظمة الرجل تكمن في قربه من “بسطاء القوم” لا في تعاليه عليهم.

في رحلته المهنية التي بدأت بتخرجه في كلية هندسة البترول والتعدين عام 1969، تولى منصب أمين عام مساحة الدقهلية، وهي الحقيبة التي تضع صاحبها بين أنياب “تقسيم الأراضي ونزع الملكية ووضع اليد”.. هنا تجلت “هندسة الضمير”. فرغم مفاتيح الثروة التي كانت بين يديه، عاش ومات “نظيف اليد”، لم يملك قطعة أرض واحدة في المنصورة، مؤكداً أن الثروة الحقيقية هي “السمعة” التي تُورث للأبناء. هذا الإخلاص هو ما دفع المهندس عصام راضي، وزير الري الأسبق، لتبنيه وطنياً ليكون نائباً له، وليصبح لاحقاً نقيباً لمهندسي الدقهلية، حارساً لأموالهم بصلابة الجبال.
في عام 1992، شهدت الدائرة الرابعة بالدقهلية زلزالاً ديمقراطياً؛ حيث واجه الأتربي قامة كبيرة هو الوزير “سعد هجرس”. لم تكن معركة صناديق، بل كانت استفتاءً على “الحب”. انتهت بملحمة تاريخية فاز فيها الأتربي بفارق هائل تجاوز 53 ألف صوت، معلناً أن المقعد لا يرفع شأن الرجال، بل الرجال هم من يمنحون المناصب هيبتها بصدقهم.

لم تكن مسيرة السيد الأتربي لتبلغ هذا الشموخ لولا وجود “شريكة حياة” من طراز فريد؛ حيث تزوج من المهندسة سعدية الشربيني حشيش، المهندسة الزراعية والمنتمية لعائلات “حشيش” العريقة، ابنة قرية منية النصر بمركز شربين، وعمة النائب “شفيق حشيش” صانع نهضة شربين. هذا التحالف الأسري لم يكن مجرد زواج، بل كان تلاقياً للأصول والجذور.
ورزقه الله بـ ابنته الوحيدة، الدكتورة داليا السيد الأتربي (عضو مجلس الشيوخ 2025)، التي لم تتربَّ كابنة لمسؤول، بل تربت لتكون “ابنة الجميع” وامتداداً لكبار الأسرة من أعمامها وأخوالها، تحمل جينات النزاهة وحب الخدمة العامة التي ورثتها عن والدها “طاهر اليد”.

وبين رئاسته لجمعية المحافظة على القرآن الكريم وعطائه تحت قبة البرلمان، رحل الأتربي عام 2018، لكنه لم يغادر. رحل الرجل الذي لم تملأ الدنيا عينه، فملأ هو قلوب الناس. لقد ترك خلفه سيرة تُدرس في “أدب المناصب”، وأثبت أن الخدمة العامة هي “عبادة” وليست “وجاهة”.
رحم الله المهندس السيد الأتربي.. الفارس الذي ترجل عن صهوة جواده، وبقي أثره في “كفر شريف” والدقهلية كلها، حياً يرزق بذكرى لا تموت.















