بين ضباب الاتفاقات وصمت الداخل… الجنوب اللبناني معلّق على حافة القلق
لم يعد السؤال في الجنوب اللبناني: ماذا يحدث؟
بل بات السؤال الأخطر: من يشرح للناس ما الذي يحدث؟
في زمن تتكاثر فيه التسريبات أكثر من البيانات، وتُنسج فيه التفاهمات في الغرف المغلقة قبل أن تُولد في العلن، يجد المواطن نفسه خارج كل سردية، كأنه مجرد متفرّج على مشهد لا يملك حقّ المشاركة فيه، ولا حتى حقّ الفهم الكامل لما يجري باسمه وعلى أرضه.
تتحدث العواصم عن تفاهمات، وتُلمّح القوى الدولية إلى ترتيبات قيد التشكل، فيما الداخل اللبناني يبدو وكأنه يقف على هامش الحدث، يراقب ولا يشرح، يسمع ولا يفسّر، ويعيش النتائج قبل أن يفهم الأسباب. وفي هذه الفجوة تحديداً، يولد القلق الحقيقي.
الجنوب، الذي خبر الحرب أكثر مما عرف الاستقرار، لا يحتاج إلى مزيد من العناوين الكبرى، بل إلى جملة واحدة واضحة: ماذا بعد؟
هل نحن أمام تهدئة قابلة للاستمرار، أم هدنة مؤقتة تُدار على إيقاع مصالح متحركة؟
هل الحديث عن انسحابات وترتيبات أمنية هو بداية مسار جديد، أم فصل آخر من إدارة الأزمة بأدوات مختلفة؟
لكن الأخطر من كل ذلك، ليس ما يُقال في الخارج، بل ما لا يُقال في الداخل.
فلا الدولة خرجت بخطاب واضح يضع الناس في صورة الحد الأدنى من الحقيقة، ولا القوى المؤثرة في المشهد السياسي قدّمت رواية تطمئن جمهورها وتشرح له حدود المرحلة ومخاطرها. وبين هذا الصمت وذاك الغموض، تُرك الناس وحدهم أمام أسئلة الحياة اليومية: أأعود إلى بيتي أم أبقى في النزوح؟ أأفتح عملي أم أنتظر جولة جديدة من التصعيد؟ أأبني على استقرار هشّ أم أستعدّ لانفجار مؤجل؟
إنّ أخطر ما يعيشه المجتمع اليوم ليس الحرب وحدها، بل الضبابية.
فالناس تستطيع التكيّف مع الحرب حين تكون واضحة المعالم، لكنها تنهار أمام حالة لا حرب ولا سلم، لا طمأنة ولا إنذار، لا حقيقة مكتملة ولا كذبة يمكن الإمساك بها.
وحين يغيب الخطاب الرسمي المسؤول، تتكاثر التأويلات، وتتحول الشائعات إلى بديل عن المعلومة، ويصبح المواطن رهينة مزاج الأخبار المتقطعة. وهنا تحديداً، تفقد الدولة جزءاً من وظيفتها الأساسية: أن تشرح لشعبها قبل أن تُدار شؤونه في مكان آخر.
ليس المطلوب خطابات إنشائية، ولا وعوداً كبيرة، بل حدٌّ أدنى من الصدق السياسي:
أن يُقال للناس ما يمكن قوله، وأن يُعترف بما لا يمكن حسمه، وأن يُترك لهم على الأقل حق اتخاذ قرارهم بناءً على معطيات واضحة، لا على تخمينات متناقضة.
فالناس في الجنوب ليست أرقاماً في نشرات الأخبار، ولا تفصيلاً ثانوياً في حسابات السياسة الإقليمية. هم أصحاب أرض وبيوت وأعمال وذاكرة مثقلة بما يكفي، ولا يحتملون أن يُتركوا وحدهم بين احتمال حرب جديدة أو سلام غير مضمون، بين عودة محتملة وتهجير مؤقت قد يطول.
في النهاية، قد تتغير المعادلات، وقد تتبدل التفاهمات، لكن يبقى ثابتاً أمر واحد:
لا استقرار بلا وضوح، ولا وطن يُدار بصمت يسبق الحقيقة.