تذكر المراجع التاريخية “ترشيش” كمدينة أو منطقة بحرية تقع في أقصى الغرب عبر البحر. ويرجح معظم المؤرخين وعلماء الآثار أنها كانت تقع في جنوب غرب شبه الجزيرة الإيبيرية (إسبانيا حالياً)، وتحديداً في منطقة الأندلس الحالية المحيطة بحوض نهر الوادي الكبير (Guadalquivir)، بين نهري الوادي الكبير وغواديلوبا.
الهوية الكلاسيكية:
عُرفت هذه المنطقة تاريخياً عند اليونانيين باسم تارتيسوس “.” (Tartessos).
المدى الزمني:
تواجد الفينيقيون في ترشيش خلال العصر الفينيقي الذهبي، وتحديداً في القرنين التاسع والثامن قبل الميلاد (حوالي 900 إلى 800 ق.م).
كانت ترشيش مركزاً رئيسياً لنفوذ الفينيقيين الاقتصادي نظراً لغناها الاستراتيجي بالمعادن الثمينة كالفضة، الذهب، الحديد، القصدير، والرصاص.
الشراكة الرفيعة:
عمل الفينيقيون على تأسيس الموانئ الإسبانية الهامة بالتعاون والشراكة مع ملوك صور.
أصل التسمية:
يُعتقد أن اسم “ترشيش” مشتق من الجذر الفينيقي/الكنعاني (ت-ر-ش) والذي يعني “صهر المعادن” أو “المنجم”، وهو ما يطابق تماماً الطبيعة الصناعية والتعدينية للمنطقة.
ثالثاً:
شَبَكَةُ المُسْتَعْمَرَاتِ وَ”سُفُن تَرْشِيش”.”
أقام الفينيقيون شبكة تجارية واسعة وجامعة للمستعمرات على السواحل الإيبيرية، واستخدموا المنطقة كقاعدة متقدمة لما وراء أعمدة هرقل (مضيق جبل طارق) لتوسيع شبكتهم البحرية في المحيط الأطلسي، ومن أبرز محطاتهم:
قادش (Cadiz):
(وردت في النص السابق 1)، وتُعتبر أقدم مدينة مأهولة في إسبانيا، كما شكلت الميناء الرئيسي وانطلاق السفن نحو منطقة “هويلفا”.
أسسوا فيها مستعمرة هامة سميت “إيبوسيم” في جزر البليار، والتي شكلت لاحقاً قاعدة قرطاجية رئيسية.
سفن ترشيش:
اشتهرت الملاحة الفينيقية القادمة من مدن الساحل اللبناني (مثل صور) بصناعة سفن ضخمة وقوية أُطلق عليها اسم “سفن ترشيش”؛ نسبةً لقدرتها الفائقة على الإبحار لمسافات طويلة عبر المحيط الأطلسي والوصول إلى أقصى غرب البحر الأبيض المتوسط لتأمين التبادل التجاري وجلب الثروات.
لا يزال الجدل قائماً بين المؤرخين حول ما إذا كانت ترشيش الإيبيرية هي ذاتها المذكورة في التوراة، وتنقسم الآراء إلى:
1. رأي المؤرخين الكلاسيكيين (الشواهد والتوثيق):
يعتقد العديد من الباحثين أنها هي ذاتها، نظراً لأن أسفار العهد القديم وصفت “سفن ترشيش” بأنها سفن تجارية ضخمة تجوب البحار لجلب المعادن، وهو ما ينطبق تماماً على الرحلات الفينيقية الطويلة نحو إسبانيا.
وقد وردت عبارة “سفن ترشيش” في العديد من أسفار العهد القديم كرمز تاريخي للسفن التجارية الفينيقية الضخمة المُخصصة للملاحة البعيدة، وأبرز مواضعها:
سفر الملوك الأول (الإصحاح 10):
تشير الآية (22) إلى أن الملك سليمان امتلك أسطولاً من سفن ترشيش بالتعاون مع حيرام ملك صور، وكانت تقلع مرة كل ثلاث سنوات لجلب الذهب، الفضة، العاج، القرود، والطواويس.
سفر أخبار الأيام الثاني (الإصحاح 9):
تتكرر نفس القصة في الآية (21)، حيث ذُكر أن سفن سليمان كانت تبحر إلى ترشيش مع عبيد احيرام ملك صور ..
سفر المزامير (الإصحاح 48):
ورد في الآية (7) وصف لقوة الله المدمرة باستخدام الريح الشرقية في تحطيم “سفن ترشيش”..
سفر إشعياء (الإصحاح 23 و 60):
تتحدث الآيات (1، 14) عن نوح وولولة “سفن ترشيش” لخراب مدينة صور. وفي الإصحاح (60) تشير الآية (9) إلى دور هذه السفن في جمع وتأييد بني إسرائيل.
سفر حزقيال (الإصحاح 27):
تتحدث الآية (25) عن “سفن ترشيش” وقوافلها التجارية التي كانت تملأ وتغني ملوك الأرض بمختلف البضائع والمعادن.
2. نظريات جغرافية أخرى
يحدد بعض المؤرخين اليونانيين واليهود القدماء (مثل يوسيفوس) ترشيش بمدينة طرسوس (Tarsus) في جنوب تركيا .
يرى باحثون آخرون أنها قد تشير إلى جزيرة سردينيا.
تشير بعض المراجع والتراث العربي إلى إطلاق الاسم في بعض الفترات التاريخية على أجزاء من *تونس.
3. الاتجاه العلمي الحديث:
يرى أن “ترشيش” في تلك النصوص لم تكن موقعاً جغرافياً واحداً ومحدداً بالضرورة، بل كانت مصطلحاً عاماً يُشير إلى “أقصى الغرب” المجهول، أو الاسم الذي أطلقه الفينيقيون والعبرانيون على جميع الأراضي الغنية بالمعادن في “إسبانيا البعيدة”.
مُلَاحَظَةٌ تَارِيخِيَّةٌ هَامَّةٌ جِدّاً
وجد في العصر الفينيقي “ثلاثة مواقع مختلفة” حملت اسم “ترشيش”، وهي:
1. ترشيش بجبل لبنان: الوطن الأم، ولا زالت بلدتُها الأبية الشامخة تحمل نفس الاسم التاريخي حتى يومنا هذا.
2. ترشيش في إسبانيا:
(موضوع هذا البحث)، ضمن سلسلة الفينيقيين في أوروبا.