المقالات والسياسه والادب
توائم منتشرون في العالم أجمع

بقلم: ابتسام نصر الصالح
توائم منتشرون في العالم أجمع
* ظاهرة روائية تستحق أن تصل إلى جميع الناس، عبر رواية (مختلف).
الرواية بحد ذاتها ظاهرة أدبية مختلفة تبدو جلية في أعمال الروائي الأدبية حيث الراوي الطبيب هو أحد أبطال العمل ولكنه الجندي المجهول الذي نرى حصيلة معاركه ويبقى هو بعيدا عن ميدان الاحتفاء. ظاهرة أدبية تحتفي بالعلم والطب معا في مختلف اختصاصاته ولكنها تفتح عدسة المجهر على ماهو مختلف أو متباين في الحياة الإنسانية. يجعلنا نفهم الاختلاف أسبابه العلمية، الطبية، من أول تكون الجنين بدأ بالوالدين. ويبقى الطبيب ملازما لهؤلاء الأبطال فيفسر ويشرح ما يعجزون عن فهمه. ويتابع تطور المختلف ومسيرته الإنسانية منذ لحظة ولادته إلى مراحل نموه وتعلمه وكل ما يمر به المختلف من معوقات وصعوبات. بل ومواقف مؤلمة تجعله في لحظات يكاد يتفجر ألما دون أن يصرخ لأنه في موضع الحلقة الأضعف في مجتمع لا يرحم ضعيفا أو مختلفا، ليس لأنه مختلف بل لأنهم هم الجاهلون. حقيقة هم جاهلون معنى مختلف فيصغونه بالمعتوه أو المجنون، أو المختل عقليا أو المريض النفسي. كل هذا لجهلهم حقيقة الطفل المختلف وهو مازال لا يملك لنفسه اي قوة للدفاع عنها وصد تنمرهم المؤلم، مما يسبب الإحباط والكآبة. مالعمل؟ ماهي حقيقة المختلف وهل المختلف له توائم في الإنسانية؟
أجل العلم وعلى لسان الطبيب يقول الطفل الذي يخلق وهو موسوم بمتلازمة داون جميع ملامحه متشابهة مع أي طفل آخر في اي مكان من العالم. إذا فأطفال متلازمة داون هم توائم منتشرون في العالم أجمع ما أن ترى أحدهم حتى تقول هذا توأم صفا بطل الرواية، إنهم لو اجتمعوا معا لعملوا دولة تخصهم، ملامحهم المتشابهة وحين يجتمعون من كل أنحاء العالم ليعيشوا في منطقة تخصهم هؤلاء أصحاب ميزة متلازمة داون فسوف يكون أي إنسان يأتي إليهم مختلفا عنهم ولابد أنه سيشعر تماما أنه هو المختلف بينما هم جميعا الأسوياء. حقا الاختلاف أمر نسبي. لكن وعبر الرواية يكتشف القارئ معادلة كيميائية تقول:
جنين مختلف لأم مختلفة عن الأمومة = إجهاض = موت المختلف .
جنين مختلف لأم تحمل قلب أم حقيقية سوية= مولود جديد يخلق الفرح.
طفل مختلف+ ام وأب متحابان = طفل محبوب معتنى به ومحتفى باختلافه = تطور الطفل ويعيش حياة هانئة سعيدة ومن ثم يترجم سعادته ابداعا هو
ثمرة حب الوالدين وثقتهما بثمرة حبهما الذي منحهما سعادة مميزة عن غيرهما من الآباء عبر كل ما تذوقاه من معاناة وآلام وصعوبات في مسيرة نمو طفلهما حتى وصل إلى مرحلة متطورة وإلى النجاح في حياته وانخراطه في المجتمع. وهي اللحظة التي صار فيها صفا ملهما لوالده ومصدر فخر لأبويه.
الرواية ليست مجرد عمل أدبي إنها تحمل رسالة قوية جدا ومختلفة للإنسانية جمعاء.تقول الرسالة: لا تقتلوا الجنين المختلف فهو سيكون مصدر سعادتكم وفخركم أن استقبلتموه بالحب وعشتم معه الحب وأن كنتم أنتم أسوياء في مشاعركم الأبوية فهو سيكون سويا بكل خلاياه وروحه وعقله ولكنه سيكون مختلفا بإبداعه الخاص به وهذا سيكون مصدر إلهام لكم وحياة جميلة له بينكم ومعكم . لماذا أقول عن الرواية أنها ظاهرة أدبية مختلفة؟ الأمر يتعلق بالراوي الذي هو الطبيب والذي هو الروائي نفسه فنراه يشرح ويوضح وينصح بكل دقة علمية وطبية ولكنها كذلك مجبولة بانسانية عظيمة فتصبح المعلومات الطبية منارة للقارئ دون ملل أو إقحام. إنما تصله عبر مسار حياة الأبطال. وما يميز الرواية هي الشخوص الذين نعيش معهم في اللقطة الأولى للرواية الحفيد وابويه ثم يعود بنا الروائي عبر تقنية الفلاش باك إلى بداية حياة الجدين زواجهما واحتفائهما بالمولود الجديد ومن ثم مسيرة حياة العائلة حتى زواج الولد وإنجابه لتعود اللقطة الأولى في الرواية لتكون هي لقطة الخاتمة بأبهى صورة .
الرواية تعتبر واقعية بامتياز ولكنها مفعمة بالجمال الروحاني والإنساني والمشاعر المختلفة النادرة التي نعيشها كقراء فنشعر بكمية من فائض الحب لهذا المختلف ولكن له كل الشكر على تحمله اختلافنا نحن عنه. رواية تحتفي بالإنسان بكل ماتعنيه الكلمة قبل كل شيء. وكم جميلة هي أسماء الشخوص: لكل اسم له انتماؤه للشخصية: صفا الطفل الموسوم بمتلازمة داون صار نبع صفاء وسعادة لكل من يتعرف عليه وعائلته وصديقه الطفل اليتيم ناجي الذي استشهد والداه وبقي وحيدا يتيما بسبب العدوان الاسرائيلي يذكرنا اسمه أنه نجى من العدوان ولكنه لم ينج من تنمر اقرانه في المدرسة ولم يجد سوى صفا صديقا محبا له. تيريز ام صفا تذكرنا بالأم تيريزا التي أوقفت حياتها لخدمة الإنسانية. الأب حيان المختلف كذلك وهو عبر إبداعه يذكرنا بأبي حيان التوحيدي وخاصة أن حيان المهندس المعماري البارع موسوم بأحد أطياف التوحد. الجد جواد وهذا الاسم يذكرنا بالجود والعطاء والكرم وهو كان كذلك مع ابنه المختلف فأوصله إلى قمة العلم والمعرفة والعمل والإبداع. الجدة سوزان تذكرنا بزوجة عميد الأدب العربي طه حسين التي كانت توأم كل إبداعاته ونجاحاته رغم انه أيضا كان مختلفا كما يعتقد البعض لأنه كان أعمى لكنه مع بقية العميان هم الأسوياء حقا والبقية مختلفون. برع الروائي باختيار اسماء الشخصيات حتى تلتصق بذاكرة القارئ فتحيا معه طويلا حتى بعد أن ينهي قراءة الرواية.
رواية ممتعة للغاية بجمال السرد الروائي وخاصة اختيار الأماكن التي يتنقل بينها أبطال الرواية بين عدة دول ويظهر لنا أهمية الفن من موسيقى ورسم في تكوين شخصية الطفل عموما والطفل المختلف خاصة لتكون هي حجر اساس في بناء شخصية قوية واثقة من ذاتها وقابلة للتطور المستمر حتى بلوغ قمة الإبداع والنجاح والسعادة.
الف مبارك للأديب المبدع الدكتور اشرف مسمار من لبنان الحبيب مولوده الجديد رواية مختلف.
*************************************
هوامش:
* أبو حيان التوحيدي (حوالي 310 – 414 هـ / 922 – 1023 م) هو فيلسوف، أديب، ومتصوف عربي بارز، لُقّب بـ “فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة” و”الجاحظ الثاني” لجزالة أسلوبه وعمق أفكاره. وعُرف بنقده اللاذع للأوضاع الاجتماعية والسياسية، مما جعله شخصية مثيرة للجدل.هو علي بن محمد بن العباس التوحيدي البغدادي، ولد ببغداد ونشأ يتيماً فقيراً، وعمل في الوِراقة (نسخ الكتب) مما صقل ثقافته الموسوعية.
• ثقافته: كان موسوعي المعرفة، يجمع بين الفلسفة، الأدب، التوحيد، والتصوف.من مؤلفاته البصائر والذخائر: كتاب أدبي وفلسفي موسوعيعرف بكونه “المثقف الشقي” بسبب فقرِه رغم علمه الغزير، ومعاناته مع السلطة.
• وفاته: توفي في شيراز
يُنظر إليه اليوم كأحد أبرز رواد النثر الفلسفي والأدبي في التراث العربي. واهتمامه بقضايا الإنسانية.
* طه حسين: لقبه عميد الأدب العربي. أديب روائي مصري ولد أعمى. درس الأدب العربي وحصل على شهادة الدكتوراه من جامعة السوربون الفرنسية وكانت زوجته الفرنسية سوزان هي عيونه في الحياة وبقيت معه حتى آخر نسمة في حياته. من مؤلفاته: رواية الأيام التي تحكي قصة حياته. رواية دعاء الكروان .
* الأم تيريزا: راهبة كرست حياتها لخدمة الناس ومساندتهم في ظروفهم السيئة.
* بقلمي: ابتسام نصر الصالح
حمص.سورية


