المقالات والسياسه والادب

حوار الألم

إيمان نجار

‏*الفتاة:*  

‏يا أيتها الحياة، أما تعبتِ من طعناتي؟  

‏كلما وقفتُ على قدميّ، زلزلتِ الأرض تحتي،  

‏وكلما ابتسمتُ، أرسلتِ في السماء غيمةً تبكي.  

‏ما ذنبي لأُحارب فيكِ، دون سلاح، دون ظهر، دون نجاة؟

‏*الحياة :*  

‏ولدتِ على أرضي، فلا ترفعي سيفكِ ضدي،  

‏أنا لا أُعطي الشر، بل أُريك ما فيكِ من ضعف.  

‏كل ندبة فيكِ، كانت بابًا… لا قيدًا.  

‏ألم تري؟ من بين الرماد، وُلدتِ من جديد عشرات المرات!

‏*الفتاة:*  

‏تقولين إنني وُلدتُ من الرماد،  

‏لكن لم تسألي: كم مرة احترقتُ؟  

‏لم يكن الضوء الذي فيّ وهجًا،  

‏بل شرارة ألمٍ تضيء ظُلمتي… وتمضي.  

‏أنا تعبتُ من النهوض، من تجبير كسري بأصابعي،  

‏ومن مناداة الصبر… وهو أخرس في حضوري.

‏*الحياة :*  

‏أعلمُ كم توجّعتِ…  

‏لكن هل تعلمين أنّ القسوة التي فيكِ… صارت حصنًا؟  

‏وأن قلبكِ، رغم هشاشته، لا يزال ينبض عنادًا؟  

‏أنا لا أختار لكِ الوجع،  

‏أنا أضعكِ في الطرقات التي تُريكِ ذاتكِ الحقيقية.  

‏من سقطاتكِ تنبت ملامحك،  

‏ومن الوحدة، تولدين أنتِ… لا ظلّك.

‏*الفتاة:*  

‏لكنكِ ظالمة… تقفين متفرّجة حين أغرق.  

‏تُحبين اختبار قدرتي على التنفّس تحت الماء!  

‏أليس فيكِ رحمة؟ أم أن كلّ من نجا، أحبكِ رغمًا عنه؟  

‏أنا لم أعد أبحث عن النجاة،  

‏بل عن مكان لا أصل فيه إليكِ!

‏*الحياة :*  

‏وإلى أين تهربين… وأنا الرفيقة والعدوّة؟  

‏أنا الوجع، نعم… لكني أيضًا الدواء،  

‏أنا الغياب، ولكنني لُقيا المعنى،  

‏كل من كرهني، أحبّني في النهاية،  

‏لأني ببساطة… أمهل، ولا أهمل.

‏*الفتاة:*  

‏ولدتُ على رماد الوعود، فكيف أزهر؟  

‏كل من أحببتهم يا حياة، سلّمتهم قلبي،  

‏فجعلتِهم غرباء بين أضلعي،  

‏يتغذّون من ضعفي، ثم يرحلون… بلا وداع!

‏*الحياة:*  

‏لم أعلّمهم الخيانة،  

‏لكنني منحتكِ دروسًا في الفقد، لتُدركي من يستحق البقاء،  

‏كل قلبٍ غادر، كان امتحانًا… لا عقوبة،  

‏وكل خيبة، كانت طريقًا لكِ كي تري وجهكِ في المرآة… لا وجههم.

‏*الفتاة:*  

‏لكنني أنهكْتُ، لم أعد قادرة على الإحتمال،  

‏كأنكِ تضعين فوق كتفيّ جبالًا،  

‏كأن روحي تسير على شفرات زجاج،  

‏حتى النوم صار ساحة قتال.

‏*الحياة:*  

‏وهل تظنين المجد يُهدى؟  

‏أنتِ لستِ ضحية، بل شرارة!  

‏كل من أراد كسرَكِ، ما عرف أنكِ من تُبعثرينه إن نهضتِ.  

‏اجعلي من وجعكِ حبرًا، ومن دمعتكِ نهرًا يغسل الضعف عن وجهكِ.

‏*الفتاة:*  

‏وإن خذلتني نفسي؟  

‏وإن سكتت جروحي حتى تعفّنت؟  

‏ماذا لو فقدتُ صوتي، وضلّت روحي في زواياي؟

‏*الحياة:*  

‏حين تخذلكِ نفسكِ، اخلعيها وابدئي من جديد،  

‏كل روح تُولد مرتين… مرة من جسد، ومرة من وجع.  

‏لا تخافي من الانكسار، فالفجر لا يولد إلا بعد انتحار الظلام.

‏* (الاثنتان معًا):*  

‏نحن الحياة ونحن الناجون منها،  

‏نصنع الأمل من الشظايا، ونكمل الطريق…  

‏ولو زحفًا

مقالات ذات صلة