المقالات والسياسه والادب

حين يكون العشق قيداً والغيرة نكراناً للذات

بقلم د.ذكاء رشيد

​يعرّف الفلاسفة العشق بأنه “فرط المحبة”، ولكن حين يوجه هذا الفيض نحو من لا نملك الوصول إليه، يتحول من طاقة حياة إلى حالة من “الموت الواعي”. إن أصعب مراتب التعلق هي تلك التي يشعر فيها المرء أن حياته توقفت عند عتبة شخص آخر، فلا يرى الألوان إلا بعينيه، ولا يسمع الموسيقى إلا في صوته، في وقت يدرك فيه يقيناً أن هذا المسار مسدود.

​سيكولوجية الغيرة المستحيلة

​الغيرة في جوهرها رغبة في التملك، لكنها حين تمتد لتشمل “نسيم الهوى” المتطاير حول من نحب، فإنها تتحول إلى نوع من الاستنزاف الروحي. في العشق الذي يفتقر إلى حق التملك، تصبح الغيرة بلا شرعية، مما يولد شعوراً بالذنب يرافقه ألم التهميش. إنك تغار من كل شيء يحيط به لأنه يشاركه اللحظة التي تفتقدها أنت، وهذا النوع من الغيرة لا يصلح كدافع للحب، بل هو صرخة احتجاج على واقع العجز.

​الذوبان في الآخر وضياع الهوية

​الخطر الأكبر في هذا الطرح هو “موت الحياة حولنا”. عندما نختزل العالم كله في شخص واحد، نحن لا نعظّم شأن المحبوب بقدر ما نلغي وجودنا نحن. إن رؤية الحياة “معه فقط” تعني أننا تنازلنا عن حواسنا، وعن علاقتنا بالكون، وعن أهدافنا الشخصية، لنمسي مجرد صدى لصوت شخص آخر.

​ما الحل؟ (خارطة الطريق نحو التعافي)

​الخروج من هذه الدائرة لا يتطلب “نسياناً” قسرياً، بل يتطلب إعادة مركزة الذات. إليك بعض الخطوات الفلسفية والعملية:

​الاعتراف بالواقع: الخطوة الأولى هي الكف عن مطاردة السراب. تقبل حقيقة أن هذا الشخص “ليس لنا” يكسر حدة الأمل الكاذب الذي يغذي الغيرة.

​استعادة الحواس: يجب العمل على فك الارتباط الشرطي بين الجمال وبين وجود المحبوب. استمتع بالأشياء الصغيرة (كوب قهوة، كتاب، غروب الشمس) كقيمة بحد ذاتها، وليس كخلفية لصورته.

​تحويل الطاقة إلى إبداع: لطالما كان العشق المستحيل وقوداً لأعظم القصائد والمؤلفات. حوّل نار الغيرة وحرقة الشوق إلى فعل إبداعي؛ فالكتابة هي الطريقة الوحيدة لامتلاك ما لا نستطيع امتلاكه في الواقع.

​المسافة الآمنة: الغيرة تشتعل بالقرب والمراقبة. الابتعاد عن مصادر أخباره وتفاصيل يومه ليس ضعفاً، بل هو “نقاهة روحية” ضرورية لترميم ما انكسر في الداخل.

​خاتمة:

إن العشق الحقيقي هو الذي يحررنا، لا الذي يسجننا. وإذا كان قدرنا أن نعشق من ليس لنا، فليكن هذا الحب سراً جميلاً نحمله في صدورنا ليدفعنا نحو الرقي والسمو، لا أن يكون حبل مشنقة يلف حول أعناقنا فيخنق فينا حب الحياة.

مقالات ذات صلة