كان الماضي بسيطًا… لكنه كان غنيًا بالإنتاج، لا بالاستهلاك، وبالعمل، لا بالمظاهر.
كانت كثرة الأولاد تُعد ثروة حقيقية، ليس لأنهم مجرد أفراد في الأسرة، بل لأنهم كانوا سواعد تبني، وتزرع، وتحصد، وتصنع. كان كل ابن يضيف قوة للعائلة، وكل حفيد امتدادًا لمسيرة الكفاح والإنتاج.
كانت الأسرة كلها تعيش تحت سقف واحد، يجمع الأبناء والأحفاد، يحكمها كبير العائلة بحكمته، ويُدير شؤونها كما لو كان رئيسًا ووزيرًا للمالية في آن واحد. وكانت الغاية واحدة: الإنتاج ثم الإنتاج ثم الإنتاج.
لم يكن الفلاح يحلم ببيت فاخر، ولا بصالون فخم، ولا بأثاث للزينة. كان بيته متواضعًا، مبنيًا على رأس أرضه، وكل ما يدخره من محصول القطن أو الأرز يوجهه لشراء قطعة أرض جديدة، لأن الأرض كانت هي رأس المال الحقيقي، وهي الضمان للمستقبل.
ولم تكن “الدار” مجرد منزل، بل كانت عالمًا متكاملًا. فيها الزريبة التي تضم الجاموس والأبقار، التي تدير الساقية، وتجر المحراث، وتدق النورج، وتمنح اللبن الذي يُصنع منه الزبد والسمن، ثم تلد فتزيد الثروة عامًا بعد عام.
وكانت الحمير شريكًا أصيلًا في رحلة الإنتاج، تحمل السماد إلى الحقول، وتنقل المحاصيل إلى البيوت والأسواق، وكانت وسيلة مواصلات أمينة وذكية.
وأذكر موقفًا لا أنساه… كنت صغيرًا، وكلفني والدي -رحمه الله- بزيارة أحد أعمامي، وكان يسكن على بعد أميال، ولم أكن أعرف الطريق. فقال لي: “اركب الحمارة واترك لها الأمر، فهي تعرف البيت.” وحدث ما قاله تمامًا؛ سارت من طريق إلى آخر، ومن شارع إلى شارع، حتى توقفت أمام منزل عمي، وكأنها تقرأ العناوين أفضل منا.
وكانت أبواب الدور مفتوحة، لا تعرف الأقفال إلا نادرًا، لأن الأمان كان يسكن القلوب قبل البيوت.
وكانت الطيور تضفي على القرية حياة لا تُنسى. مع إشراقة كل صباح ينطلق الإوز في أسراب نحو الترعة، فتراه يعوم في الماء أو يقف على الشاطئ في مشهد يخطف الأبصار، ثم يعود مع غروب الشمس إلى داره، لا يضل طريقه أبدًا. وكانت الدار تعج بالدجاج والبط والأرانب، ولكل منها دوره في توفير الغذاء للأسرة.
كان الريف يومها مصنعًا مفتوحًا، ومزرعة لا تتوقف عن العطاء. كان ينتج الغذاء والكساء، ويصدر الخير، ويعتمد على نفسه.
ثم جاءت سنوات الانفتاح، وسافر كثير من الفلاحين إلى العراق وليبيا ولبنان والسعودية، وعادوا بأموال وفيرة. لكن المؤلم أن جزءًا كبيرًا من تلك الأموال لم يُستثمر في شراء أرض جديدة أو تطوير الزراعة، بل في إقامة مبانٍ خرسانية على أجود الأراضي الزراعية.
ومن لم يسافر، باع أرضه ليبني بيتًا أكبر. وتحولت الأرض التي كانت تطعم الأسرة والقرية إلى كتل من الأسمنت، وبدأت الرقعة الزراعية تنكمش عامًا بعد عام.
وبعد أن كان الفلاح منتجًا يعتمد على أرضه وماشيته، أصبح كثيرون يعتمدون على الشراء والاستهلاك. وبعد أن كان يكتفي بحجرتين متواضعتين، صار يتسابق في بناء الطوابق والواجهات والصالونات التي لا تُستخدم إلا نادرًا، مقلدًا حياة المدينة، بينما فقد أهم ما كان يميزه: الإنتاج.
ليست القضية حنينًا إلى الفقر أو رفضًا للتطور، فالتقدم الحقيقي مطلوب، ولكن المؤسف أن يأتي التطور على حساب الأرض التي كانت مصدر الحياة، وعلى حساب قيم العمل والإنتاج التي صنعت قوة الريف المصري لعقود طويلة.
ليت نصف الماضي يعود… لا لنعود إلى الوراء، بل لنستعيد منه قيمة العمل، واحترام الأرض، وبركة الإنتاج، وروح الأسرة التي كانت تتكاتف لتبني مستقبلها بعرقها وجهدها