على هيئة غياب “أصبحَ ينامُ وكأنّهُ يُجرّبُ الموتَ على دفعات… يُطفئُ العالمَ حولهُ بحذر، ويستلقي كأنّهُ يعتذرُ من جسده. لا أحدَ انتبه أنّهُ لم يعُد يستيقظُ لأنّهُ ارتاح… بل لأنَّ شيئًا ما في الداخل ما زالَ يرفضُ أن ينطفئ تمامًا. كان يضحكُ أحيانًا، ضحكةَ شخصٍ يعرفُ أنّ رأسهُ امتلأَ بالدخان، لكنّهُ ما زالَ يفتحُ النوافذَ للهواء مجاملةً لا أكثر. وفي كلِّ مرّةٍ كان يغيبُ فيها عن الجميع، يعودُ بعينينِ أبرد… كأنّهُ رأى هناك شيئًا جعلهُ أقلَّ رغبةً في النجاة. ثمَّ بدأَ يتركُ الأشياءَ خلفهُ بطريقةٍ لا تُثيرُ الانتباه… رسائلُ بلا رد، أغانٍ توقّفَ عن سماعها، أصدقاءُ صاروا يمرّونَ في رأسهِ كأسماءٍ داخلَ نشراتِ الوفيات. حتّى المرآة… كان ينظرُ إليها كما ينظرُ غريبٌ إلى بيتٍ احترقَ منذُ زمن. لم يكُن حزينًا بالشكلِ المفهوم، الحزنُ كان رفاهيةً بعيدة. هو فقط… صارَ يشعرُ أنَّ روحَهُ تُسحَبُ منهُ ببطء، دونَ ألم، دونَ صراخ، كشمعةٍ تُطفأُ بأصابعَ باردة. وكانَ أكثرُ ما يُرعبهُ، أنّهُ لم يعُد يُرعبهُ شيء. وفي بعضِ الليالي… كان يجلسُ في العتمةِ طويلًا، لا يفعلُ شيئًا، فقط يُصغي لذلك الخرابِ الصغير وهو يكبرُ داخلهُ بهدوء. كأنَّ قلبهُ غرفةُ عنايةٍ مشدّدة، لكنَّ الجميعَ نسيَ المريضَ فيها. وحينَ يسألهُ أحد: “كيفَ حالُك؟” كان يبتسمُ بذوقٍ، تلك الابتسامةِ التي تشبهُ وردةً موضوعةً فوقَ قبر. لم يعُد يتمنّى شيئًا واضحًا… لا حياةً أفضل، ولا موتًا صريحًا، كان فقط يريدُ أن يختفيَ بالطريقةِ التي تختفي بها الأشياءُ المُتعَبة: ببطء… دونَ ضجيج، دونَ أن يلاحظَ أحد. وفي النهاية… لم يحدثْ شيءٌ كبير. لا انهيارٌ يُرى، ولا وداعٌ يُقال، ولا حتى لحظةٌ تستحقُّ أن تُروى. فقط… استمرَّ في التناقصِ بهدوء، حتى صارَ حضورهُ فكرةً قديمةً في أذهانِ الآخرين. كانوا يظنّونهُ ما زالَ هنا… بينما هو منذُ زمنٍ بعيد كان قد تعلّمَ كيف يكونُ خفيفًا إلى حدِّ الاختفاء.”