المقالات والسياسه والادب

على هيئة غياب

الكاتبة إيمان نجار

على هيئة غياب

‏“أصبحَ ينامُ وكأنّهُ يُجرّبُ الموتَ على دفعات…

‏يُطفئُ العالمَ حولهُ بحذر،

‏ويستلقي كأنّهُ يعتذرُ من جسده.

‏لا أحدَ انتبه

‏أنّهُ لم يعُد يستيقظُ لأنّهُ ارتاح…

‏بل لأنَّ شيئًا ما في الداخل

‏ما زالَ يرفضُ أن ينطفئ تمامًا.

‏كان يضحكُ أحيانًا،

‏ضحكةَ شخصٍ

‏يعرفُ أنّ رأسهُ امتلأَ بالدخان،

‏لكنّهُ ما زالَ يفتحُ النوافذَ للهواء

‏مجاملةً لا أكثر.

‏وفي كلِّ مرّةٍ

‏كان يغيبُ فيها عن الجميع،

‏يعودُ بعينينِ أبرد…

‏كأنّهُ رأى هناك

‏شيئًا

‏جعلهُ أقلَّ رغبةً

‏في النجاة.

‏ثمَّ بدأَ يتركُ الأشياءَ خلفهُ

‏بطريقةٍ لا تُثيرُ الانتباه…

‏رسائلُ بلا رد،

‏أغانٍ توقّفَ عن سماعها،

‏أصدقاءُ صاروا يمرّونَ في رأسهِ

‏كأسماءٍ داخلَ نشراتِ الوفيات.

‏حتّى المرآة…

‏كان ينظرُ إليها

‏كما ينظرُ غريبٌ

‏إلى بيتٍ احترقَ منذُ زمن.

‏لم يكُن حزينًا بالشكلِ المفهوم،

‏الحزنُ كان رفاهيةً بعيدة.

‏هو فقط…

‏صارَ يشعرُ

‏أنَّ روحَهُ تُسحَبُ منهُ ببطء،

‏دونَ ألم،

‏دونَ صراخ،

‏كشمعةٍ تُطفأُ بأصابعَ باردة.

‏وكانَ أكثرُ ما يُرعبهُ،

‏أنّهُ لم يعُد يُرعبهُ شيء.

‏وفي بعضِ الليالي…

‏كان يجلسُ في العتمةِ طويلًا،

‏لا يفعلُ شيئًا،

‏فقط يُصغي

‏لذلك الخرابِ الصغير

‏وهو يكبرُ داخلهُ بهدوء.

‏كأنَّ قلبهُ

‏غرفةُ عنايةٍ مشدّدة،

‏لكنَّ الجميعَ نسيَ المريضَ فيها.

‏وحينَ يسألهُ أحد:

‏“كيفَ حالُك؟”

‏كان يبتسمُ بذوقٍ،

‏تلك الابتسامةِ التي تشبهُ

‏وردةً موضوعةً فوقَ قبر.

‏لم يعُد يتمنّى شيئًا واضحًا…

‏لا حياةً أفضل،

‏ولا موتًا صريحًا،

‏كان فقط

‏يريدُ أن يختفيَ

‏بالطريقةِ التي تختفي بها

‏الأشياءُ المُتعَبة:

‏ببطء…

‏دونَ ضجيج،

‏دونَ أن يلاحظَ أحد.

‏وفي النهاية…

‏لم يحدثْ شيءٌ كبير.

‏لا انهيارٌ يُرى،

‏ولا وداعٌ يُقال،

‏ولا حتى لحظةٌ تستحقُّ أن تُروى.

‏فقط…

‏استمرَّ في التناقصِ بهدوء،

‏حتى صارَ حضورهُ

‏فكرةً قديمةً في أذهانِ الآخرين.

‏كانوا يظنّونهُ ما زالَ هنا…

‏بينما هو منذُ زمنٍ بعيد

‏كان قد تعلّمَ كيف يكونُ خفيفًا

‏إلى حدِّ الاختفاء.”

مقالات ذات صلة