المقالات والسياسه والادب

الدرج الذي يتنفس

الكاتبة إيمان نجار

الدرج الذي يتنفس

‏في الدرجِ

‏جثثٌ من الرسائل…

‏وأنا

‏عاملُ تشريحٍ متعب،يُعيدُ كلَّ ليلةٍ فتحَ الموتِ بنفسه كي يتأكد أنّ الألمَ ما زال يتنفّس.

‏بعضُ الرسائل كانتْ تضعُ العطرَ على كلماتها كأنّها ذاهبةٌ إلى موعدٍ غرامي،

‏والآن حين ألمسُها أشعرُ أنّ أصابعي تخرجُ من بئرٍ

‏مليئةٍ بأسنانِ الذكريات.

‏هناك رسالةٌ مثنيّةٌ عند الزاوية كجسدِ شخصٍ تعلّمَ الانكسارَ مبكرًا.

‏ورسالةٌ أخرى ثقيلةٌ إلى درجة أنّ الدرجَ نفسه يئنُّ كلّما اقتربتُ منها،

‏كأنّ الخشبَ أيضًا يحفظُ ما فعلتهُ بنا الكلمات.

‏أحيانًا، أسمعُ الليلَ يفتّشُ معي، يمرّرُ أصابعَه السوداء

‏بين الأوراق كأعمى يبحثُ عن وجهِه الأخير.

‏وأنا؟

‏لم أعد أقرأ الرسائل…أنا فقط أقيسُ عددَ المقابر

‏التي استطاعَ القلبُ أن يُخفيها داخلَ قطعةِ أثاث.

‏وفي أسفلِ الدرج…توجدُ رسالةٌ لا أجرؤُ على لمسِها،

‏كأنّها قنبلةٌ صُنعتْ من نبضي القديم.

‏كلّما اقتربتُ منها أشعرُ أنّ الغرفةَ تضيق،

‏وأنّ الهواءَ يتحوّلُ إلى ترابِ مقبرةٍ رطب.

‏الغريب…أنّ الرسائلَ لا تموتُ حين نهجرُها بل تتخمّرُ فيها رائحةُ الغياب ثمّ تبدأُ بأكلِ صاحبِها من الداخل.

‏لهذا صرتُ كلّ ليلةٍ أسمعُ خشخشةً خفيفةً في الدرج،

‏كأنّ الكلماتِ اليابسة تحاولُ الزحفَ نحوي.

‏مرّةً، فتحتُه عند الثالثةِ فجرًا، فرأيتُ وجهي

‏منعكسًا على دبّوسٍ صدئ، وكان يبدو كصورةِ مطلوبٍ للنجاة من نفسه.

‏أحيانًا أشعرُ أنّ الدرجَ يتنفّس…يفتحُ فمَه الخشبيَّ قليلًا

‏ثم يُغلقه كشخصٍ يخفي صراخًا قديمًا.ففي الليالي الثقيلة تصبحُ الرسائلُ رطبة، كأنّ أحدهم

‏أخرجها للتوّ من نهرٍ مليءٍ بالغرقى.

‏أمدُّ يدي نحوها فأشعرُ أنّ أصابعي تعودُ أقلَّ عددًا،

‏كأنّ الورقَ يقتطعُ منّي أجزاءً صغيرة كلّما حاولتُ تذكّرَ شيء.

‏لم تعد الرسائلُ تُقرأ…بل تُرتدى، كالأمراضِ الوراثيّة،

‏تنتقلُ من سطرٍ إلى نبضة.

‏أتعرفُ ما الأكثرُ رعبًا؟ أنّ بعضَ الرسائل كُتبتْ بحبٍّ حقيقي…وهذا ما يجعلُها أشدَّ وحشيّةً الآن.

‏لأنّ الأشياءَ التي قتلتنا لم تدخلْ حياتنا كسكّين…

‏بل دخلتْ كأذرعٍ دافئة.

مقالات ذات صلة