أرشيف ما لايشفى أَنَا لَسْتُ جَسَدًا يَمْشِي فِي الحَيَاةِ… أَنَا مَعْبَدٌ انهارَ سَقْفُهُ وَبَقِيَتْ جِدْرَانُهُ تَتَذَكَّرُ الصَّلَاةَ. فِي دَاخِلِي تَتَكَاثَرُ العُصُورُ كَأَنَّهَا أَخْطَاءٌ فِي الزَّمَنِ، كُلُّ عَصْرٍ يَجُرُّ خَلْفَهُ اسْمًا لَمْ يَكْتَمِلْ، وَكُلُّ اسْمٍ يَتَحَوَّلُ إِلَى جُرْحٍ يَعْرِفُ طَرِيقَهُ إِلَيَّ دُونَ اسْتِئْذَانٍ. أَتَنَفَّسُ، لَكِنَّ التَّنَفُّسَ هُنَا لَيْسَ حَيَاةً… هُوَ طَقْسُ بَقَاءٍ قَسْرِيٍّ، كَأَنَّ الهَوَاءَ يُفْرَضُ عَلَيَّ فَرْضًا كَيْ لَا يَكْتَمِلَ الغِيَابُ. فِي صَدْرِي عَاصِمَةٌ مِنَ الرَّمَادِ لَا تَنَامُ، لَكِنَّهَا أَيْضًا لَا تَسْتَيْقِظُ، تَتَدَلَّى شَوَارِعُهَا كَخُيُوطِ ذَاكِرَةٍ مُحْتَرِقَةٍ، وَفِي كُلِّ زَاوِيَةٍ يَقِفُ فَرَاغٌ يُشْبِهُ وَجْهًا كُنْتُ أَعْرِفُهُ جَيِّدًا ثُمَّ نُزِعَ مِنِّي دُونَ تَفْسِيرٍ. الزَّمَنُ دَاخِلِي لَيْسَ نَهْرًا… هُوَ سَيْفٌ صَدِئٌ يُمَرَّرُ عَلَى نَفْسِ الجُرْحِ حَتَّى يَتَعَلَّمَ شَكْلَ الوَجَعِ. كُلُّ لَحْظَةٍ تَمُرُّ لَا تَمْضِي، بَلْ تَعُودُ بِثِيَابٍ مُخْتَلِفَةٍ لِتُؤَكِّدَ أَنَّهَا لَمْ تَذْهَبْ أَصْلًا. أَحْمِلُنِي كَأَثَرِ نَجَاةٍ فَاشِلَةٍ، كَأَنِّي خَرَجْتُ مِنْ شَيْءٍ لَا يُخْرِجُ مِنْهُ أَحَدٌ، وَبَقِيتُ نِصْفَ حَيَاةٍ وَنِصْفَ غِيَابٍ، لَا أَمْلِكُ قَرَارَ الانْتِهَاءِ وَلَا امْتِيَازَ الاكْتِمَالِ. الذِّكْرَيَاتُ لَيْسَتْ ضَوْءًا… إِنَّهَا كَائِنَاتٌ مَائِيَّةٌ تَعِيشُ فِي العُيُونِ، كُلَّمَا حَاوَلْتُ النَّظَرَ بِوُضُوحٍ تَغْرَقُ الصُّورَةُ أَكْثَرَ فِيَّ بَدَلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنِّي. فِي أَعْمَاقِي، لَا يُوجَدُ «أَنَا»… يُوجَدُ أَرْشِيفٌ مَفْتُوحٌ مِنَ الانْكِسَارَاتِ، كُلُّ انْكِسَارٍ يَفْتَحُ مَمَرًّا مِنَ العَدَمِ عَلَى آخَرَ، حَتَّى يَصِيرَ الدَّاخِلُ بِلَا حُدُودٍ، مُجَرَّدَ امْتِدَادٍ طَوِيلٍ مِنْ فَقْدٍ يَعْرِفُ اسْمِي. حَتَّى الصَّمْتُ هُنَا لَيْسَ صَمْتًا… بَلْ هَيْكَلٌ مِنَ الصَّمْتِ تَتَدَلَّى مِنْهُ الأَصْوَاتُ الَّتِي لَمْ تُولَدْ، وَتُصَلِّي فِيهِ الأَرْوَاحُ الَّتِي لَمْ تَكْتَمِلْ حِكَايَتُهَا. أَنَا لَسْتُ مَنْ بَقِيَ… أَنَا مَا تَبَقَّى بَعْدَ أَنْ قَرَّرَتِ الحَيَاةُ أَنْ تَسْحَبَ يَدَهَا مِنِّي وَتَتْرُكَنِي أَتَعَلَّمُ كَيْفَ أَتَشَابَهُ مَعَ الغِيَابِ دُونَ أَنْ أَخْتَفِي، وَفِي نِهَايَةِ الطَّرِيقِ الَّذِي لَا نِهَايَةَ لَهُ… أُدْرِكُ أَنَّنِي لَا أَبْحَثُ عَنْ خُرُوجٍ، لِأَنِّي اكْتَشَفْتُ أَنَّ هَذَا الدَّاخِلَ لَيْسَ مَكَانًا… بَلْ هُوَ أَنَا.