المقالات والسياسه والادب

أرشيف ما لايشفى

‏بقلم الكاتبة إيمان نجار  ‏

أرشيف ما لايشفى

‏أَنَا لَسْتُ جَسَدًا يَمْشِي فِي الحَيَاةِ…

‏أَنَا مَعْبَدٌ انهارَ سَقْفُهُ وَبَقِيَتْ جِدْرَانُهُ تَتَذَكَّرُ الصَّلَاةَ.

‏فِي دَاخِلِي تَتَكَاثَرُ العُصُورُ كَأَنَّهَا أَخْطَاءٌ فِي الزَّمَنِ،

‏كُلُّ عَصْرٍ يَجُرُّ خَلْفَهُ اسْمًا لَمْ يَكْتَمِلْ،

‏وَكُلُّ اسْمٍ يَتَحَوَّلُ إِلَى جُرْحٍ يَعْرِفُ طَرِيقَهُ إِلَيَّ دُونَ اسْتِئْذَانٍ.

‏أَتَنَفَّسُ، لَكِنَّ التَّنَفُّسَ هُنَا لَيْسَ حَيَاةً…

‏هُوَ طَقْسُ بَقَاءٍ قَسْرِيٍّ،

‏كَأَنَّ الهَوَاءَ يُفْرَضُ عَلَيَّ فَرْضًا كَيْ لَا يَكْتَمِلَ الغِيَابُ.

‏فِي صَدْرِي عَاصِمَةٌ مِنَ الرَّمَادِ لَا تَنَامُ،

‏لَكِنَّهَا أَيْضًا لَا تَسْتَيْقِظُ،

‏تَتَدَلَّى شَوَارِعُهَا كَخُيُوطِ ذَاكِرَةٍ مُحْتَرِقَةٍ،

‏وَفِي كُلِّ زَاوِيَةٍ يَقِفُ فَرَاغٌ يُشْبِهُ وَجْهًا كُنْتُ أَعْرِفُهُ جَيِّدًا ثُمَّ نُزِعَ مِنِّي دُونَ تَفْسِيرٍ.

‏الزَّمَنُ دَاخِلِي لَيْسَ نَهْرًا…

‏هُوَ سَيْفٌ صَدِئٌ يُمَرَّرُ عَلَى نَفْسِ الجُرْحِ حَتَّى يَتَعَلَّمَ شَكْلَ الوَجَعِ.

‏كُلُّ لَحْظَةٍ تَمُرُّ لَا تَمْضِي،

‏بَلْ تَعُودُ بِثِيَابٍ مُخْتَلِفَةٍ لِتُؤَكِّدَ أَنَّهَا لَمْ تَذْهَبْ أَصْلًا.

‏أَحْمِلُنِي كَأَثَرِ نَجَاةٍ فَاشِلَةٍ،

‏كَأَنِّي خَرَجْتُ مِنْ شَيْءٍ لَا يُخْرِجُ مِنْهُ أَحَدٌ،

‏وَبَقِيتُ نِصْفَ حَيَاةٍ وَنِصْفَ غِيَابٍ،

‏لَا أَمْلِكُ قَرَارَ الانْتِهَاءِ وَلَا امْتِيَازَ الاكْتِمَالِ.

‏الذِّكْرَيَاتُ لَيْسَتْ ضَوْءًا…

‏إِنَّهَا كَائِنَاتٌ مَائِيَّةٌ تَعِيشُ فِي العُيُونِ،

‏كُلَّمَا حَاوَلْتُ النَّظَرَ بِوُضُوحٍ

‏تَغْرَقُ الصُّورَةُ أَكْثَرَ فِيَّ بَدَلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنِّي.

‏فِي أَعْمَاقِي، لَا يُوجَدُ «أَنَا»…

‏يُوجَدُ أَرْشِيفٌ مَفْتُوحٌ مِنَ الانْكِسَارَاتِ،

‏كُلُّ انْكِسَارٍ يَفْتَحُ مَمَرًّا مِنَ العَدَمِ عَلَى آخَرَ،

‏حَتَّى يَصِيرَ الدَّاخِلُ بِلَا حُدُودٍ،

‏مُجَرَّدَ امْتِدَادٍ طَوِيلٍ مِنْ فَقْدٍ يَعْرِفُ اسْمِي.

‏حَتَّى الصَّمْتُ هُنَا لَيْسَ صَمْتًا…

‏بَلْ هَيْكَلٌ مِنَ الصَّمْتِ تَتَدَلَّى مِنْهُ الأَصْوَاتُ الَّتِي لَمْ تُولَدْ،

‏وَتُصَلِّي فِيهِ الأَرْوَاحُ الَّتِي لَمْ تَكْتَمِلْ حِكَايَتُهَا.

‏أَنَا لَسْتُ مَنْ بَقِيَ…

‏أَنَا مَا تَبَقَّى بَعْدَ أَنْ قَرَّرَتِ الحَيَاةُ أَنْ تَسْحَبَ يَدَهَا مِنِّي

‏وَتَتْرُكَنِي أَتَعَلَّمُ كَيْفَ أَتَشَابَهُ مَعَ الغِيَابِ دُونَ أَنْ أَخْتَفِي،

‏وَفِي نِهَايَةِ الطَّرِيقِ الَّذِي لَا نِهَايَةَ لَهُ…

‏أُدْرِكُ أَنَّنِي لَا أَبْحَثُ عَنْ خُرُوجٍ،

‏لِأَنِّي اكْتَشَفْتُ أَنَّ هَذَا الدَّاخِلَ لَيْسَ مَكَانًا… بَلْ هُوَ أَنَا.

مقالات ذات صلة