المقالات والسياسه والادب

الفينيقيون في موتيا 12- 4 من سلسلة الفينيقيون في اوروبا

ملفينا توفيق ابو مراد / لبنان

*
موتيا (Mozia) هي جزيرة صغيرة تقع قبالة الساحل الغربي لجزيرة صقلية، أسس فيها الفينيقيون احدى اهم مستوطناتهم التجارية ( ملاحظة مهمة : مستعمرة من عَّمَّرَ و بنى )
في القرن الثامن قبل الميلاد (وتشير بعض المصادر إلى استيطان أقدم). ازدهرت المدينة بفضل موقعها ومينائها المحصّن، تاركةً آثاراً ومعابد تعكس عمق تواجدهم في المنطقة
كانت جزيرة موتيا
(Motya/Mozia
التابعة لمقاطعة تراباني غربي صقلية، مأهولة في العصر الفينيقي بالسكان الأصليون (الإليميون): وهم قبائل صقلية قديمة (Elymians) استقرت في غرب الجزيرة. تعامل معهم التجار الفينيقيون وتفاعلوا معهم اقتصادياً واجتماعياً.
و المستوطنون الفينيقيون: التجار والبحارة القادمون من مدن الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط (خاصة صور وصيدا)، والذين أسسوا المحطة التجارية هناك في القرن الثامن قبل الميلاد
امتزج المجتمع في المدينة تدريجياً ليشكل حضارة هجينة (مزيج فينيقي-إليمي-يوناني)، حيث كشفت الحفريات في موقع “توفيت موتيا” ومناطقها الأثرية عن وجود تداخل كبير في الفنون، العادات، والفخار المستورد من الشرق والمصنوع محلياً.
التاريخ والأهمية التجارية
بدأ الفينيقيون رحلتهم في المنطقة ببناء شبكة من المحطات التجارية والموانئ الصغيرة في غرب البحر الأبيض المتوسط، وكانت موتيا واحدة من أهم مستوطناتهم في صقلية إلى جانب باليرمو وسولوس. لعبت الجزيرة دوراً حيوياً كمركز للتبادل التجاري والبحري الرابط بين الشرق الفينيقي وقرطاج والأسواق الأوروبية
الآثار والمعالم المكتشفة.
أظهرت الحفريات الأثرية في الجزيرة طبيعة الحياة الفينيقية فيها، ومن أبرز معالمها:
• المعابد الفينيقية
• كشفت الحفريات عن وجود معابد بنيت بالقرب من مصادر المياه لاعتقادهم بقدسيتها.
• الميناء المحصن
• عُرفت المستعمرة بمينائها التجاري والعسكري المحصن بدقة والذي دعم قوتهم البحرية.
لعب الفينيقيون دور “سادة البحار” عبر شبكة تجارية واسعة ربطت موانئ البحر الأبيض المتوسط. تأسست إمبراطوريتهم الاقتصادية على الملاحة والمقايضة، ووصلت إلى أوجها في العصور القديمة قبل أن تتراجع وتندمج إمبراطوريتهم في الكيانات اللاحقة مثل قرطاج والإمبراطوريات المتعاقبة.
شبكة التبادل التجاري الفينيقي
اعتمد الفينيقيون على التجارة لتعويض نقص الموارد في بلادهم ، وبرعوا في المجالات التالية:
• طرق التجارة: ربطت سفنهم الشواطئ الشرقية للمتوسط بمصر، واليونان، وقبرص، وصولاً إلى السواحل الغربية (شمال إفريقيا وإسبانيا).
• الصادرات الفينيقية: اشتهروا بتصدير خشب الأرز (الذي استخدمته الحضارات الأخرى مثل الفراعنة في بناء الأهرامات والسفن)، الأقمشة المصبوغة باللون الأرجواني، الزجاج الملون، والمصنوعات المعدنية.
• الواردات والمقايضة: كانوا يجلبون المعادن الخام مثل الفضة والقصدير من الغرب، والذهب والعاج من إفريقيا، معتمدين على أسلوب “التجارة الصامتة” بالمقايضة على الشواطئ.
• نشر الأبجدية: لم تقتصر تجارتهم على السلع، بل نقلوا الأبجدية الفينيقية إلى الشعوب الأخرى، والتي أصبحت أساس اللغات الحالية.
أفول الحضارة الفينيقية
لم تكن نهاية الفينيقيين في “موتًا” مفاجئًا لدولة مركزية، بل سلسلة من التراجعات السياسية والاندماج الحضاري:
• الغزوات والحصار (الأشوريين والفرس): أدت الهجمات والضرائب الثقيلة التي فرضها الآشوريون والبابليون إلى تدمير بعض مدن الساحل الفينيقي وإضعاف استقلاليتها.
• صعود قرطاج والمستعمرات: أسس الفينيقيون مستعمرات هامة، أبرزها قرطاج (في تونس حالياً) والتي تحولت إلى إمبراطورية تجارية كبرى حافظت على الإرث الفينيقي وتوسعته لقرون بعد تراجع المدن الأم في الشرق.
• الفتح المقدوني والاندماج: عندما غزا الإسكندر الأكبر الشرق (خاصة حصار مدينة صور الشهير عام 332 ق.م)، تهاوى الاستقلال السياسي للمدن الفينيقية الشرقية، مما أدى تدريجياً إلى ذوبان هويتهم المستقلة في الثقافة الهلنستية (اليونانية) ثم الرومانية حتى اضمحل في العام ٦٤ ميلاديا .

٢٠٢٦/٧/٢٠

مقالات ذات صلة