مالطا (18)9 —ضمن سلسلة: الفينيقيون في أوروبا

مالطا (18)9 —ضمن سلسلة: الفينيقيون في أوروبا
ملفينا توفيق أبو مراد / لبنان
*
التأسيس والموقع الاستراتيجي:
نظراً لموقعها الفريد في قلب البحر الأبيض المتوسط، مثلت جزيرة مالطا نقطة ارتكاز ومحطة رئيسية للملاحة الفينيقية.
استوطن الفينيقيون القادمون من سواحل لبنان (صور وصيدا) في الجزيرة خلال النصف الثاني من القرن الثامن قبل الميلاد (نحو 700 ق.م).
أطلق الفينيقيون عليها اسم «مالط» (أو مالت) الذي يعني في اللغات السامية «الميناء» أو «الملجأ الآمن»، وجعلوا منها محطة تجارية وبحرية هامة على طريق ملاحتهم نحو الغرب، ونقطة اتصال متكاملة قريبة من مستوطناتهم في غرب صقلية (مثل موتيا وباليرمو).
مالطا قبل الاستيطان الفينيقي:
سكن الجزيرة قبل وصول الفينيقيين عدة مجتمعات بشرية تعاقبت منذ عصور ما قبل التاريخ:
صيادو وجامعو الثمار الأوائل: (العصر الحجري الوسيط).
المزارعون الأوائل: (نحو 5400 ق.م) وفدوا بالقوارب من صقلية ومارسوا الزراعة وتربية الحيوانات.
حضارة بناة المعابد: (نحو 3850 – 2350 ق.م) وهم الشعب الذي بنى المعابد الميغاليثية (الصخور الضخمة) التي تعد من أقدم المباني قائمة الأركان في العالم.
* شعوب العصر البرونزي: (نحو 2350 ق.م وما بعدها) وتحديداً مجتمعات ثقافة «بورج نادور» (Borg in-Nadur) وثقافة «باهريجة» (Baħrija).
مظاهر الوجود الفينيقي والاندماج الثقافي:
لم يتبع الفينيقيون نهج الغزو، بل اعتمدوا التعايش السلمي والتجارة.
تأسيس المدن والموانئ: أنشأوا مستوطنات ومراكز تجارية، وأسسوا مدينة «مالطا» القديمة (مدينة مدينا أو الرفيدة لاحقاً).
التبادل التجاري والمهارات:
جلبوا معهم الفخار المزين، الأقمشة المصبوغة بالأرجوان، الأدوات المعدنية والزجاجية، ونقلوا للسكان المحليين مهارات الملاحة، بناء السفن، وصناعة الفخار، بالإضافة إلى استخدام الأبجدية المبكرة.
الأثر اللغوي والديني: شيدوا معابد لآلهة المشرق (مثل معبد الإلهة عشتروت)، ورسخوا الجذور السامية الأولى التي تفاعلت مع اللغات اللاحقة ومهدت لتطور اللغة المالطية.
أبرز الشواهد والمكتشفات الأثرية:
موقع تاس-سيلج (Tas-Silġ): مجمع ديني وأثري مهم في جنوب شرق مالطا احتوى على معبد فينيقي للإلهة عشتروت.
نصبا ميلقارت (Cippi of Melqart): عمودان من الرخام يحملان نقوشاً مزدوجة باللغتين الفينيقية واليونانية، وقدم الاستشهاد بهما مفتاحاً رئيسياً لفك رموز اللغة الفينيقية بالعالم (يشبه دوره دور حجر رشيد).
المتحف الوطني للآثار في فاليتا:
يضم مجموعة غنية من الحلي، المجوهرات، التماثيل، والمقتنيات الجنائزية البونية والفينيقية.
المقابر المنحوتة في الصخر:
انتشار المدافن الفينيقية في محيط مدينة مدينا ومناطق مالطية متعددة.
التحولات التاريخية اللاحقة
السيطرة القرطاجية:
تحولت مالطا لاحقاً للنفوذ القرطاجي (امتداد الحضارة الفينيقية في شمال إفريقيا).
الاحتلال الروماني: سقطت الجزيرة بيد الرومان عام 218 ق.م خلال الحرب البونية الثانية، مع احتفاظ الجزيرة بالعديد من ملامحها وثقافتها البونية السامية.
٢٠٢٦/٨/٥



