المقالات والسياسه والادب

نواب بلا أنياب كتب: محمود جاب الله

نواب بلا أنياب

منذ عرفنا العمل البرلماني في مصر ونحن نربط بين النائب وبين الصوت الذي لا يخفت وقت الشدة. الصوت الذي يسأل، ويحاسب، ويدافع عن حق البسيط قبل الكبير. لكن ماذا يحدث حين يتحول هذا الصوت إلى همس خافت، وحين يتحول الكرسي البرلماني إلى مجرد لقب وتوقيع على أوراق؟ عندها نكون أمام ظاهرة تستحق التوقف: نواب بلا أنياب.
الدستور لم يمنح النائب هذا الموقع تشريفاً. منحه ثلاث مسؤوليات واضحة وثقيلة: أن يشرع قوانين عادلة تحمي الناس، وأن يراقب أداء الحكومة ويسألها عن كل جنيه يُنفق، وأن يكون هو الجسر الحقيقي بين معاناة الشارع وبين قاعات صنع القرار. لكن حين يغيب السؤال وتغيب المواجهة ويغيب الاقتراح، تتحول هذه الأدوات إلى ديكور. ويتحول النائب من مدافع إلى متفرج، ومن صوت للناس إلى صدى باهت.
متى فقد النائب أنيابه؟ فقدها حين اختار السلامة على حساب الواجب. حين أصبحت الأولوية للصورة والمؤتمر لا لحل مشكلة المواطن. حين سكت عن استجواب كان يجب أن يُقدم، وعن قانون كان يجب أن يُرفض لأنه لا يخدم الناس. النائب بلا أنياب هو من يزور المدرسة يوم الاحتفال فقط ولا يسأل عن الكثافة بعد ذلك. هو من يعد في موسم الانتخابات ثم يختفي حتى يعود الموسم مرة أخرى. هو من يحضر الجلسة ويوقع وينصرف قبل أن تبدأ المناقشة الجادة.
والخطر هنا لا يخص النائب وحده، بل يخص الوطن كله. مجلس بلا رقابة قوية هو مجلس بلا توازن. وحكومة بلا مساءلة حقيقية تصبح أقرب إلى سلطة مطلقة، والمطلقة كما نعرف مفسدة. والمواطن الذي لا يجد من يحمل صوته تحت القبة، سيفقد تدريجياً ثقته في السياسة وفي جدوى الصندوق وفي معنى المشاركة.
نحن لا نطلب نواباً للصدام من أجل الصدام، ولا أصواتاً عالية بلا مضمون. نحن نطلب نواباً لديهم أنياب العقل والحجة والقانون والضمير. نواب يقرأون الموازنة سطراً سطراً، ويسألون عن المشروع المتأخر، ويقفون في وجه أي قرار يمس لقمة عيش الناس حتى لو كان الثمن شعبية مؤقتة.
والحقيقة أن الأنياب لا تُمنح من أحد. الأنياب يصنعها الناخب يوم الاختيار. تصنعها حين تترك العصبية والعائلة والمصلحة الفردية الضيقة، وتختار من تثق أنه سيقول “لا” في الوقت الذي يجب أن تُقال فيه “لا”. اختَر من سيراقب المال العام كما يراقب بيته، ومن سيحمل هموم دائرته إلى العاصمة لا العكس.
الوطن اليوم في مرحلة بناء تحتاج إلى كل صوت قوي وأمين. وصوت النائب هو الأعلى بين الأصوات. فإما أن يكون نائباً بأنياب يدافع ويشرع ويراقب ويحاسب… وإما أن نعترف أننا رضينا بـ “نواب بلا أنياب”، وحينها لا نلومن إلا أنفسنا إذا ضاعت حقوقنا بين الكراسي الفارغة والتصفيق.

الكلمة الآن للناخب قبل النائب.

مقالات ذات صلة