المقالات والسياسه والادب

اخطر ظاهرة كونية 

اخطر ظاهرة كونية

بقلم: نور شاكر 

 

هل تعتقد أن أخطر ظاهرة كونية هي انفجار أشعة غاما؟

 

لا يا عزيزي المشاهد

فثمة ظاهرة أكثر خطورة من كل الانفجارات الكونية

ظاهرة لا تحتاج إلى تلسكوب لرصدها ولا إلى مختبر لتحليلها

إنها ظاهرة الاستشراف

 

أن يدعي شخص الشرف وهو يمارس ما يناقضه

وأن ينصب نفسه وصيًا على الأخلاق وهو لا يرى الشوائب العالقة في سلوكه

وأن يقف أمام الناس ليوزع الأحكام وكأنه خرج لتوه من محكمة الفضيلة

ولست هنا لأنصب نفسي حاكمًا على أحد

ولا قاضيًا على أحد

فالناس أدرى بأنفسهم والله أعلم بما تخفي الصدور

لكنني في الآونة الأخيرة لاحظت ظاهرة تستحق التأمل لدى فئة من الذين يسمون أنفسهم صناع محتوى

 

دون تحديد أسماء

ودون الإشارة إلى أشخاص بعينهم

تتلخص المسألة في أن بعض هؤلاء لا يصنعون محتوى بقدر ما يعيدون تدوير محتوى هابط كما يُسمى

يعثرون على مقطع يتضمن مشهدًا فاضحًا أو صورة مبتذلة أو فعلًا ينافي الذوق والدين والأخلاق

ثم يعرضونه في بداية الفيديو أمام آلاف المشاهدين

وبعد أن يكون المشهد قد أخذ نصيبه من الظهور والانتشار

يظهر صانع المحتوى خلف فقاعة الشهرة الوهمية

ويبدأ في انتقاد ما عرضه بنفسه

ينتقد المشهد

ويستنكر الفعل

ويعظ الناس

ويتحدث عن الأخلاق والقيم

وكأن دوره اقتصر على كشف الخطأ بينما لم يسأل نفسه سؤالًا بسيطًا

لماذا ساهمت أنت في نشره أصلًا؟

أليس عرض المشهد جزءًا من نشره

أليست إعادة تدوير المحتوى الهابط وسيلة أخرى لإبقائه حيًا في ذاكرة المنصات

وهل يكفي أن تضع بعده بعض كلمات الاستنكار حتى تتحول عملية النشر إلى رسالة أخلاقية؟

المشكلة ليست دائمًا في أن الإنسان ينتقد الخطأ

فالانتقاد حق

والتنبيه ضرورة

لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح كشف القبح وسيلة لاستثماره

 

فبعض المحتويات لا تحتاج إلى إعادة عرض حتى نعرف أنها قبيحة

ولا تحتاج إلى ملايين المشاهدات حتى ندرك أنها مخالفة للقيم

ولا تحتاج إلى أن تصبح مادة للترند كي نعرف أنها لا تستحق أن تمنح مساحة جديدة من الانتشار

 

والأغرب من ذلك أن بعض من يرفعون راية الأخلاق أمام الجمهور لا ينتبهون إلى أن أفعالهم نفسها قد تحمل علامات استفهام وشوائب تحتاج إلى مراجعة

 

فالشهرة لا تمنح صاحبها حصانة أخلاقية

وعدد المتابعين لا يجعل الإنسان أكثر حكمة

والظهور أمام الكاميرا لا يحوّل المرء إلى مرجع في القيم

 

ربما يكون أكثر ما نحتاج إليه اليوم هو شيء بسيط جدًا

 

أن يسأل الإنسان نفسه قبل أن يسأل الآخرين

هل أنا جزء من المشكلة التي أنتقدها؟

 

فليس كل من تحدث عن الأخلاق أصبح أخلاقيًا

وليس كل من فضح الابتذال ابتعد عنه

وليس كل من انتقد المحتوى الهابط قدّم محتوى راقيًا

 

أحيانًا يكون الفرق بين من ينشر القبح ومن ينتقده فرقًا في المقدمة فقط

 

الأول يعرضه دون تعليق

والثاني يعرضه ثم يعلق عليه

 

وفي الحالتين يبقى القبح قد حصل على ما يريده

مشاهدة أخرى

وانتشارًا آخر

ومساحة أخرى في ذاكرة الناس

 

لذلك ربما تكون أخطر ظاهرة كونية ليست انفجار أشعة غاما

بل انفجار الأنا حين تتضخم حتى يظن الإنسان أنه أصبح مؤهلًا للحكم على الجميع

 

فالوعي الحقيقي لا يبدأ من مراقبة أخطاء الآخرين

بل من امتلاك الشجاعة لمراقبة الذات

 

ومن أراد أن يتحدث عن الأخلاق فليتذكر أن الأخلاق ليست خطابًا أمام الكاميرابل سلوكًا حين لا تكون هناك كاميرا أصلًا

مقالات ذات صلة