الرشوة ليست غايةً شريفة ولا يمكن أن تكون مبدأً إنسانياً، بل هي وباءٌ مجتمعي، الراشي فيه مجرمٌ، والمرتشي ليس أقلَّ منه إجراماً. أولاً: في الإدارات العامة (الحكومية)
تكمن الرشوة هنا في تمرير معاملاتٍ مضمونها مخالفٌ للقانون؛ حيث يدفع صاحب المعاملة للموظف المولج بتنفيذها سراً، فتمُرّ دون حسيبٍ أو رقيب. ويتلطى هذا الفعل خلف أساليب متعددة:
فنجان القهوة: حين يكون راتب الموظف الشهري لا يكفيه أسبوعاً، ويرى في هذا المبلغ الخبيث خشبة خلاصٍ له.
فخ الهدية: إذا تمنّع الموظف عن أخذ المال، تُرسل إليه هدية معتبرة إلى منزله، فيقبلها من يتواجد هناك. وهنا قد يخجل الموظف من ردها، ليكون قد وقع بالفعل في الفخ. ومن هنا يتأكد المبدأ المتبع: “مَنْ رَشَاكَ اليَوْمَ.. اسْتَغَلَّكَ غَداً”.
ثانياً: في المستشفيات (مؤامرة الورثة)
قد يتساءل القارئ كيف تكمن الرشوة في الصروح الطبية؟
على سبيل المثال: مريضٌ غني وبخيل، مرضه لا شفاء منه، فيتفق الورثة مع طبيب أو ممرض للقضاء عليه مقابل دفع مالٍ سخي. هذه الحالة شديدة الخطورة، وتتحول لاحقاً إلى مستنقعٍ يعلو فيه الابتزاز المتبادل بين الراشي والمرتشي.
ثالثاً: في قطاع الزراعة (التكليف بالباطل)
يظهر الفساد في صورٍ أخرى، كأن يكون ظاهر الأمر تكليفاً بأمور جيدة وباطنها الخروج عن القانون. ومثال ذلك: مزارع يعمل بالأجرة، يرشيه عدوٌ لصاحب الأرض ليرش مبيدات مضرة تتلف المحصول أو تحوله إلى سام.
يتناول صاحب الأرض من محصوله فيُصاب بالضرر، أو يبيعه فيتضرر الشاري. وعند البحث والتحقيق الجنائي، تظهر المادة السامة في دم المصاب، ويتسع التحقيق من الحقل ليطال صاحب الأرض أولاً، ثم بالتوسع ينكشف العامل بالأجرة، فيعترف على الراشي وتكتمل فصول الجريمة.