حين تتعلّم الشمس الكتابة في البدء، لم تكن للشمس نافذةٌ في السماء، كانت نقطةَ ضوءٍ تائهةً في قلب قصيدة. ثم مرَّ قلمٌ على خاصرة العتمة، فانشقَّ الليلُ قليلًا، وخرج من بين أصابع الحرف فجرٌ لم يتعلّم اسمه بعد. أكتب... فتنبتُ في الورق نوافذ، وتتدلّى من حافتها أجنحةُ صباح. أكتبكِ لا كوجهٍ أعثر عليه، بل كجهةٍ كلما ضللتُ إليها اهتدى قلبي. بيننا مسافةٌ تُخفي تحت جلدها أنهارًا من الكلام؛ أمدُّ إليها قصيدتي فتعبر وحدها، حافيةً من الخوف، محمّلةً بما عجزتْ عنه يدي. وما الغياب إلا ظلٌّ أطال الوقوف حين أطفأنا المصابيح في الداخل. أما الحضور، فليس أن تكون هنا... بل أن يترك اسمك في الروح نافذةً لا تعرف كيف تُغلق. لهذا، حين تشرق حروفكم لا تبقَ الشمسُ في الورق؛ تنسلُّ من بين السطور كعصفورةٍ أفلتت من قفصها، توقظ في القلب نافذة، وفي النافذة صباحًا، وفي الصباح وجهَ العالم. ربما لهذا نكتب... كي نمنح العتمةَ فرصةً أخيرة لتكتشف أنها كانت تخبئ شمسًا. فالشمس لا تبدأ من الشرق، ولا من السماء... تبدأ من حرفٍ قاله قلبٌ صادق، ثم تركه يمشي حتى أضاء الطريق. د.هدى عبده