المقالات والسياسه والادب

صنيعة الكتب بقلم نور شاكر

صنيعة الكتب
أضحكني أحدهم حقًا حين تحدثت معه بعد نقاش طويل، فقال لي بنبرة سخرية، وكأنه اكتشف في كلامه عيبًا كبيرًا يعيرني به:
«هذا الكلام نتيجة كتب قرأتِها، ولولا ذلك لما عرفتِ كيف تتحدثين! أنتِ لا تملكين أي خبرة، إنما الكتب هي التي علمتكِ، وكلامك كله من الكتب»

أضحكني قوله فعلًا!
فنحن البشر، ماذا نكون من دون الكتب، أيها الفهيم؟

هل تظن أنك أحسنت صنعًا حين حاولت التقليل من قيمة من أمامك لأن معرفته جاءت من القراءة؟ وهل خرجنا من بطون أمهاتنا ونحن نستنبط الفصحى ونتحدث كأرسطو؟
هل ولدتك أمك نابليون؟ أم أنك قبل أن تدخل المدرسة كنت امتيازًا نادرًا، تحمل من العلم ما لا تحمله الكتب؟
يا عزيزي، نحن جميعًا صنيعة العلم، وصنيعة ما قرأناه وتعلمناه وسمعناه وعشناه. بدأنا من الأهل، ومن الدين والقرآن والسنة النبوية، ثم اتسعت مداركنا شيئًا فشيئًا، فقرأنا، وتعلمنا، وخبرنا الحياة، وتكوّنت لدينا أفكارنا ووجهات نظرنا
فما العيب في أن يتحدث الإنسان بما قرأه في الكتب؟
الكتب ليست عيبًا يُعاير به الإنسان، بل هي من أهم الأبواب التي دخل منها العقل إلى المعرفة
العيب ليس أن تقرأ كتابًا فتتعلم منه، بل أن لا تقرأ كتابًا ثم تتحدث بثقة وكأنك مرجع الكون!
والعيب الأكبر أن تقرأ دون أن تفهم، أو تحفظ دون أن تعي، أو تردد ما قيل دون أن تمتلك قدرة على التفكير فيه ومناقشته

أما أن تقول لشخص: «كلامك من الكتب»، وكأنك أمسكت عليه فضيحة، فأنت في الحقيقة لم تنتقص منه، بل اعترفت له بأنه قرأ وتعلم

فالحمد لله الذي جعلنا نتعلم من الكتب، ومن التجارب، ومن الناس، ومن الحياة

ولولا ما قرأناه، وما تعلمناه، وما ورثناه من علم ومعرفة، فماذا كان سيبقى لنا؟

ربما كنا سنظل نتحدث إلى اليوم كما خرجنا من بطون أمهاتنا!

فلا تعيّر إنسانًا بكتابه، بل اسأله أولًا: ماذا فهمت منه؟

فهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين من يقرأ، ومن يقرأ ثم يفكر، ومن لا يقرأ أصلًا ثم يتحدث بثقة لا يملك لها سندًا. 

مقالات ذات صلة