محكمة الحروف

محكمة الحروف
بقلم…هدى عبده
هذي الحروفُ، وإن بدتْ أصواتَنا
فبكلِّ حرفٍ عالمٌ وبيانُ
تتآلفُ الأرواحُ بين حروفِها
فتفيضُ من أسرارِها الأزمانُ
حرفٌ يجيءُ كأنهُ سرُّ المدى
وحرفٌ على شفةِ المدى عنوانُ
لا الحرفُ يحيا في انفرادِ صماتهِ
لكنْ إذا لاقى أخاهُ يُصانُ
فإذا تآختْ في السطورِ حروفُنا
ولدتْ من الكلماتِ ألفُ معانِ
واللفظُ ليس زخارفًا مرسومةً
فالروحُ تسكنُ حيث يسكنُ جانِ
والنحوُ ميزانُ الكلامِ، إذا اختلَّتْ
كفّتاهُ، ضلَّتْ في الدروبِ معانِ
والضمةُ الخضراءُ فوقَ حروفِنا
والفتحُ يفتحُ للبيانِ مكانِ
والكسرُ يعلمُ أن في خفضِ المدى
رفعةَ معنىً ليس في الطغيانِ
والرفعُ ليسَ منازعًا في موضعٍ
إلا إذا استحقَّ المقامَ بيانِ
ما في الحروفِ كبيرُها أو صغيرُها
فالشرفُ في أثرٍ وفي إحسانِ
قد يستوي حرفٌ خفيٌّ في فمٍ
مع حرفِ مجدٍ في مدى الأذهانِ
حتى إذا ائتلفتْ حروفُ قصيدةٍ
صار السكوتُ مشارفَ التبيانِ
وتحوّلَ الحرفُ الصغيرُ قصيدةً
وتفتحتْ في الصمتِ ألفُ جنانِ
يا لغةَ الضادِ، يا سرًّا تشكلَ في
وجدانِنا من روعةِ القرآنِ
فيكِ الحروفُ قبائلٌ متآلفةٌ
لكنْ لكلِّ قبيلةٍ ميزانِ
فيكِ ابتداءُ الفكرِ ثم ولادُهُ
وبكِ انتهاءُ رحلةِ الإنسانِ
فإذا كتبتُ قصيدةً، لا أبتغي
حسنَ الحروفِ بقدرِ حسنِ معانِ
إني أريدُ من الحروفِ قصيدةً
تمشي إلى قلبِ الحياةِ بأمانِ
حرفًا يضيءُ إذا تكلمَ صادقًا
ويظلُّ حيًّا بعد موتِ لسانِ
فالكلمةُ الكبرى إذا خرجتْ لنا
من قلبِ صدقٍ، لا تموتُ بثانِ
تبقى، وإن غابَ الذي أنشأتها
وتظلُّ تشهدُ للخلودِ مكانِ
هذي الحروفُ أمانةٌ في أيدِنا
فاجعل كلامَك موطنَ الإنسانِ
إنَّ البيانَ حضارةٌ ومسؤوليةٌ
وبصدقِه تسمو بنا الأوطانُ
فاحفظ حروفَ الضادِ، واحفظ سرَّها
فبها لنا في الدهرِ مجدٌ ثانِ
ما اللغةُ الكلماتُ حين نعدُّها
بل نبضُ روحٍ في مدى الأزمانِ
وإذا الحروفُ تآلفت في موطنٍ
صارَ الكلامُ قصيدةَ الإنسانِ
د.هدى عبده 🖋



