المقالات والسياسه والادب

مـوقـودور (14)

مـوقـودور (14)

من سلسلة الفينيقيين في أفريقيا

*

ملفينا توفيق ابو مراد /لبنان 

*

موقودور (أو موكادور Mogador) هو الاسم التاريخي لمدينة الصويرة المغربية الحالية، وعُرفت آنذاك باسم “آرامبيس” (Arambys). وتُعد من أهم المراكز التجارية الاستراتيجية المتقدمة التي أسسها الفينيقيون الذين انطلقوا من صُور ، على السواحل الأطلسية لإفريقيا في القرن الثامن قبل الميلاد.

 الموقع والتأسيس: بين المرفأ والاستيطان

 الموقع الاستراتيجي: تقع موكادور على أرخبيل من جزر صغيرة قبالة ساحل المحيط الأطلسي (قرب مصب واد قصوب)، مما وفر حماية طبيعية ومأوىً مثالياً للسفن الفينيقية من أمواج الأطلسي العاتية لتموينها وإصلاحها.

 الأصل الفينيقي للاسم: يُعتقد أن اسم موكادور مشتق من الكلمة الفينيقية “ميغدول” (Migdol)، والتي تعني “الحصن الصغير”.

 طبيعة الوجود الفينيقي: ورد في عدة مراجع تعبير “استوطن الفينيقيون وأسسوا مدينة موكادورو”، لكن التدقيق التاريخي يوضح أن ميناء موكادور كان جاذباً للفينيقيين كمرفأ ومحطة تجارية؛ والشائع والمعروف أينما كان بابا لرزق شخص أو أسرة يصبح الموقع الذي حلوا به سكناً لهم ثم وطناً. لذا، لم تكن موكادورو مستوطنة بالمعنى العسكري، إنما استخدمها التجار الفينيقيون والقرطاجيون لاحقاً لمبادلة البضائع مع السكان الأمازيغ المحليين.

 الأنشطة الاقتصادية والتبادل التجاري

 *صناعة الصباغة الأرجوانية: اشتهرت موكادور بكونها مركزاً رئيسياً ثانياً (بعد مدن الشام) لإنتاج “الأرجوان الصوري” الثمين، المستخرج من قواقع “الموركس” البحرية لصبغ المنسوجات الفاخرة للنبلاء.

 السلع المُصنعة (الصادرات): جلب الفينيقيون من مدنهم ومن تجارتهم في الشرق والأندلس الأقمشة المصبوغة، الأواني الفخارية (الأمفورا) لتخزين الزيوت والنبيذ، والمصنوعات المعدنية والزجاجية.

 المواد الأولية (الواردات): بادل الفينيقيون تلك السلع بالمواد الأولية المتاحة في المنطقة، وعلى رأسها: المعادن، العاج، الجلود، الفراء، وريش النعام، وخام الذهب.

 نشاط الصيد: تميزت المحطة بتوظيف تقنيات الصيد الفينيقية، حيث عثرت الحفريات الأثرية فيها على بقايا معالجة الأسماك والحيتان الضخمة.

 طبيعة العلاقات: “التجارة الصامتة” والعبور الاستراتيجي.

التجارة الصامتة (التبادل السلمي): كما مع سائر الموانئ التي حلوا فيها، اعتمد الفينيقيون في موكادور (التي عُرفت تاريخياً بجزيرة سيرني) على أسلوب المقايضة السلمية مع القبائل المحلية (الأمازيغ أو “الإثيوبيين” كما وصفتهم النصوص الكلاسيكية القديمة)؛ حيث كانوا يتركون بضائعهم على الساحل ويعودون للسفن، ليضع السكان المحليون ما يقابلها من منتجات كالعاج والجلود، فإن راقت لهم البضاعة أخذوها وإلا زاد الفينيقيون عليها، في تعامل يفيض بالسلام.

 حلقة وصل عالمية: لم تكن موكادور مجرد سوق استهلاكي، بل كانت نقطة عبور استراتيجية وحلقة وصل رئيسية للملاحة، توفر المأوى للسفن وتزودها بالمؤن قبل الإبحار في رحلات استكشافية وتجارية أعمق نحو السواحل الأفريقية المجهولة وما ورائها.

 شواهد الآثار: كشفت الحفريات في جزيرة موكادور عن فخار فينيقي، إغريقي، وروماني، إلى جانب قطع من العاج والمجوهرات الدفينة التي تؤكد عمق هذا التاريخ الزاخر.

٢٠٢٦/٦/١٥

مقالات ذات صلة