المقالات والسياسه والادب

انقلاب القيم ومقاعد مدفوعة وأختام وهمية في معبد الريف بالممر الثامن والثلاتين

انقلاب القيم ومقاعد مدوفعه واختام وهمية في معبد الزيف بالممر الثامن والثلاثين

 

بقلم محمد جابر

كاتب صحفي

 

اجتمعت ايقونات الممرات القديمة في هذا الممر عنوة وكل منهم يحمل في قسمات وجهه آثار دهاليز مر بها وكل منهم صار أيقونة مجتمعية بطريقته أحدهم ممثل المعرفة الذي قضى عمره في محاربة الجهل وآخر صوته من صوت الوعي الشعبي وثالث متجرد من المناصب لكنه يحمل ضمير أمة وآخرهم شاب يحمل على كتفيه أسئلة العصر ونيران القلق وكان الحوار بلا مقدمة ولا ترتيب فالألم لا يحتاج تمهيدا والوعي لا ينتظر تصفيقا

 

قال ممثل المثقفين كم من مرة حملنا الأدلة فلم ينظر إلينا لأننا لم نكن جزءا من اللعبة لأننا لم نبايع بيروقراطية الزيف ولم نركع للمدعين

 

قاطعته قائلا اليوم لا تكتفي المنصات بالكذب بل تحتفل به لقد أصبح التزييف وجهة مقبولة ومنهجا يدرس ترى حاملي شهادات لا أصل لها ولا قيمة تفتح لهم أبواب الإعلام ويكرمون في مؤتمرات لا علاقة لها بالواقع وتحيط بهم أبواق السفهاء وغسيل الأموال يدعمهم والجهل يحتفي بهم والجمهور المضلل يصفق

 

وها هو ممثل المعرفة قائلا هذا ليس انحرافا طارئا بل تحول ممنهج الزيف صار قاعدة تبنى عليها العلاقات والمحسوبية أصبحت جواز المرور أما الكفاءة فموؤودة في ممر النسيان الشرعية لم تعد تمنح لمن يحمل النور بل لمن يجيد إخفاء الظلام خلف قناع لامع لا وجود حقيقي لحقيقة

 

اخترق جدار الممر صوت شاب من الحضور قائلا في هذا الممر من يدفع يظهر ومن يكتب يختفي والقنوات تفتح لمن يشتري الوقت والجرائد تتحدث عن كل من يضع صورته والترويج للتفاهه أصبح مستساغ وصفحات الفيسبوك صارت ساحات مفتوحة لمن يدفع أكثر لا لمن يقول الأصدق

 

رد عليه صاحب الضمير قائلا رأيت بأم عيني كيف تشترى العقول قبل أن تشترى الصفحات كيف تباع الضمائر وكيف يصنع المجد الزائف في أستوديو صغير يؤتى بالمهرج فيسمى دكتورا ويستدعى الكاذب فيمنح صفة خبير ويقصى من تعب وعاش وتعلم رأيت كيف يصنع المستشار بأنواعه رأيت من لا علاقة له بأكتوبر وأصبح الشهيد الحي وبطل الأبطال رأيت من لا علاقة له بالنقد واعتلى أكبر منصاته رأيت من يكتب له ومن تكتب له وسط تصفيق أصابني بالغثيان رأيت من لم تنل من التعليم شيئا وتنعت إعلامية رأيت مصفقين للعدم وفاقدي الأهلية يقودون وسفهاء تقلدوا المناصب

 

تدخل ممثل الوعي الشعبي قائلا لا تلوموا الزيف وحده بل لوموا من صفق له من روج له من ساند القناع وهو يعلم أنه قناع من جلس في الصورة وهو يعرف أن كل شيء مزيف لأنهم باعوا ضمائرهم في سوق نخاسة عصري المشتري فيه أرخص من البائع نعم أرخص لأنهم دخلوا بإرادتهم لا مجبرين وارتضوا لأنفسهم أن يكونوا شهود زور على انهيار الحقيقة

 

تعالى الصوت فجأة أشبه بالصراخ صادر عن امرأة كانت تتابع بصمت وقالت المشكلة ليست فقط في من يزيفون بل في من يسكتون عنهم في من يخشون قول الحقيقة ويتوارون خلف الحياد الزائف الحقيقة لا تحتاج من يتشدق بها من بعيد بل من يحميها واسفاه على أمة ضاعت هيبتها بسفه سفهائها وتخاذل مثقفيها

 

سألهم الشاب بحزن ماذا نفعل كيف نواجه هذا السيل من الزيف

 

رد ممثل المعرفة لا نملك إلا أن نبدأ بإعادة بناء القيم أن نعيد الاعتبار للصدق والمعرفة الحقيقية والعمل الجاد أن نؤمن أن المنصات لا تبنى على الأكاذيب إلى الأبد وأن من صعدوا بلا حق سيسقطون بلا كرامة

 

أضاف صاحب الضمير أن نحصن وعي الأجيال أن نكشف الزيف وأن لا نخجل من قول لا في وجه التزييف مهما علا صوته وتحصن مقعده

 

ثم قاطعهم صوت لا نعرف مصدره لكن صداه شق الجدران قائلا لا تسيروا خلف الضوء بل اصنعوه بأنفسكم لا تنتظروا من يصفق لكم بل ابحثوا عمن يصدقكم لا تعبروا هذا الممر كما عبرتم سابقا اجعلوه نقطة انقلاب لا نقطة مرور القادم أخطر والخديعة أذكى والعدو يرتدي ثياب الفكرة لا السلاح وإن لم ننتبه اليوم فسنصحو على وطن مفرغ من الوعي غارق في تصفيق للفراغ تستبدل فيه الحقائق ويكرم فيه الأفاقون والمرتزقة وترفع فيه رايات الطبالين ويعلق على الأكتاف دكاترة الفجور حاملو الإعدادية

 

ساد الصمت فجأة كأن الجميع فهم الرسالة وكأن كل من مر بهذا الممر مرر داخله شيئا آخر سؤالا جديدا أو جزءا من إجابة ناقصة لم يعد أحد ينتظر الكمال لكن الجميع بات على استعداد لحمل الحقيقة حتى وإن أثقلت الخطى وحتى وإن كثر عدد المدعين

 

وإلى الممر التاسع والثلاثين

مقالات ذات صلة